تعريفات مختلفة في أخلاقيات العمل
أصبحت "أخلاقيات العمل" تشكل جزءًا رئيسيا من صناعة النمو في الشركات، عقب ذلك القدر الهائل من الفضائح والتجاوزات واتساع دائرة الجرائم والفساد الإداري خاصة جرائم الاختلاس والرشوة واستغلال النفوذ التي تشهدها الشركات على مستوى العالم وحاجة المجتمعات إلى وجود معايير وأخلاقيات عمل أكثر رُقِيًا، وضرورة تحديد علاقاتها بالعاملين والعملاء والشركات والجمهور، فضلا عن مراجعة المفاهيم الخاصة بأهداف الشركات، ويعكس النمو بأهمية أخلاقيات الأعمال تحولاً حاسمًا في الرأي العام بشأن المسئولية الأخلاقية للمؤسسات والشركات.فقد كان من المتوقع أن تحقق الشركات أرباحًا للمساهمين من خلال إنتاج السلع والخدمات بأسعار تنافسية وفقًا للقوانين واللوائح السائدة في المجتمع التي تزاول فيه الشركات والمؤسسات أنشطتها. وحريٌ بالشركات في هذه الأيام أن تتولى المسئولية الأخلاقية عن العديد من القضايا، التي تشمل البيئة، والجنس ، والعرق، والمنتجات، ومعايير السلامة والصحة في بيئة العمل [1][1]
وقد أدى فهم قيمة الأخلاقيات بالنسبة للعمل إلى عدة مظاهر من بينها انتشار قواعد الأخلاق ومدونات رسمية للوقوف علي المتطلبات الأخلاقية، وتعيين مسئولين إداريين يهتمون بمراعاة الجوانب الأخلاقية من أجل تحفيز المديرين والموظفين على التصرف وفقًا لما تقتضيه المعايير الأخلاقية. وعلى الرغم مما تقدم، فإن هناك تباين بين ما يكتب عن الأخلاق وما يجري تطبيقه، حيث غالبا ما يحدث تعارض بين العمل والجوانب الأخلاقية،. ولا ريب أن هناك مديرون أكثر وعيا ويحرصون على مزاولة أنشطتهم وفقًا للمعايير الأخلاقية باعتبار أن ذلك خيار استراتيجي [2][2] . بينما يتخذ بعض المديرين القواعد الأخلاقية كستار لاتخاذ قراراتهم الانتهازية، وخاصة في المواقف التي لا يستطيع فيها العامة التفرقة بين السلوك الأخلاقي والسلوك الانتهازي [3][3] .
ويبدو أن الحاجة إلى تطبيق كل من الأخلاقيات والعمل بطريقة صحيحة لا تتوافق مع الرأي الشائع الذي يتبناه رجال الأعمال من أن "العمل عمل Business is Business"، ومع رأي "ميلتون فرايدمان" Milton Friedman بأن الأخلاقيات لا دخل لها بمفهوم "العمل عمل Business is Business " [4[4]. حيث يري ميلتون فرايدمان الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد في كتابة الصادر في 1963 أن الدوافع الاقتصادية هي أساس المشروع الخاص وأن وظيفته الأساسية هي تعظيم الربح لصالح حملة الأسهم، أما المسئولية الأخلاقية والاجتماعية فإنها ترتبط بالدوافع غير الاقتصادية وليست من طبيعة المشروع الخاص، ويأتي هذا الرأي انطلاقا من أفكار ادم سميث في كتابة ثروة الأمم عام 1776 والتي تشير إلى أن خلق الثروة هو مسئولية الأفراد والدولة وان الشركة لها هدف رئيسي هو أن تبقي كمنشأ للثروة لتنتج السلع المادية وتجلبها إلى السوق وتحمى رأس المال وتعظم الربح.
ويغالى أحد أعلام الإدارة المعاصرين في تأكيد هذه الرؤية للمشروع الخاص، إلى أننا لو عهدنا إلى ملائكة كبار، وهم بطبيعتهم لا يبالون بشدة بدافع الربح، لتمنوا أن يحققوا ربحا [5][5] ، والحقيقة أن فصل العمل عن الأخلاقيات أمر غير ممكن وغير مفضل. فالأخلاقيات ليست أمرًا اختياريًا. وقرارات وسلوكيات العمل عبارة عن أعمال أخلاقية لأنها تؤثر على حياة ورفاهة الآخرين.
ولا شك أن الأفراد الذين يتخذون قرارات متعلقة بالعمل ويعملون بموجبها إنما يُعبِّرون عن اختيارات أخلاقية سواء ارتضوا ذلك أم لا وسواء قصدوا ذلك أم لا. وإذا ما تظاهر هؤلاء بخلاف ذلك، فإنهم بذلك ينكرون الجوانب الإنسانية التي غرسها الله فيهم أو ينكرون طبيعتهم الأخلاقية [6][6]. ليس ذلك فحسب، بل إن تجاهل دور الأخلاق في العمل يعني إنكار أن هناك طرق صحيحة وأخرى خاطئة لمزاولة العمل.
فبعد مرور قرون على أفكار ادم سميث، وفي ظل تطور المجتمعات الغربية والتحولات الإدارية الكبيرة والأزمات التي عصفت بعدد من الشركات لأسباب لاأخلاقية بدأ بروز دعاه جدد ووسائل ومفاهيم لجعل الأخلاق عنصرا حاكما للنمو والتدقيق في اختيار المدراء، وبدا أن البعد عن القيم الأخلاقية أمر لا يثبت طويلا لأنه مضاد للفطرة، معارض للعلم، مخالف للعقل، يتنافى مع معطيات الواقع، ويتجاوز كل القيم الأساسية التي تشكل على أساسها الإنسان ، وان أصالة الفكرة الأخلاقية وسموها ووحدتها لن تنزل عن عرش سيادتها ما بقيت مثلها العليا قائمة في خاطر البشرية.
وينطوي مفهوم "أخلاقيات العمل" على معانٍ متعددة، فليس هناك تعريف محدد ودقيق لأخلاقيات الأعمال بل إن هناك اختلاطا في مفهوم أخلاقيات العمل وأخلاقيات الإدارة، والسلوك الأخلاقي، فقد تعني أخلاقيات العمل استخدام الأخلاقيات كاستراتيجية عمل لتحسين سمعة وأداء الشركة. وقد يشير إلى التبعات الأخلاقية لقرارات وسلوكيات العمل، وتأثيرها على رفاهة الناس والبيئة.بحيث تكون مجموعة من المبادئ التي تهيمن على السلوك الإداري وتتعلق بما هو صحيح أو خطأ، كما يمكن أن يشير أيضًا إلى السلوك الأخلاقي للإدارة، وأصحاب العمل، والموظفين في تحقيق أهداف المؤسسة، أو تبني قواعد أخلاق تهدف إلى التأثير في سلوكيات الموظفين. وأخيرًا، فإن أخلاقيات العمل قد تعني الالتزام بالقيم الأخلاقية (الأمانة، والاستقامة، والثقة، والصدق) في العمل. وينطوي هذا البحث على تلك المعاني.





