الدرس رقم 2

                                الوضعية السيكوسوماتية عند الطفل   

                         الارتباط والآلية السيكوسوماتية

إنّ العلاقة التي تربط الطفل بوالديه هي علاقة تعتمد علي مفهوم الارتباط أوAttachement التعلّق، أماBowlby 1970أطلق مصطلح ارتباط على العلاقة التي تجمع بين الطفل ووالديه ولهذا المفهوم أبعاد نفسية، عيادية، وجسدية كبيرة. قبل ذلك كانت تسمى بالتبعية الانفعالية «La dépendance émotionnelle»  ويشير إليه بالارتباط العاطفي الخاص، المتوازن، الذي لا يتأثر بالضغوطات ولا يحتاج لنضج أو نمو الرضيع حتى يتحقق. فالارتباط هو علاقة تتوفر على مشاعر الرعاية والشعور بالأمن، بالإضافة إلى الأهمية والقيمة المتبادلة بين كلا الطرفين والتي تدعو الي تحقيق التفاعل، وعليه تنشأ التفاعلات المتبادلة بينهما. إنّ أوّل ارتباط يكون مع الأم مند المرحلة الجنينية، يبدأ منذ مرحلة الحمل بعد نمو الحواس عند الجنين ممّا يسمح له بسماع كلّ ما يصدر عنها من كلام، ردّة الفعل اتجاه ما يحدث حولها ومع من يتصل معها. أمّا بعد الولادة، فالاتصال يبدأ منذ الساعات الأولى بعد الولادة. للرضيع إمكانيات متعددة من حواس، ذاكرة حسّية من جهة ولديه اتجاهات اجتماعية من خلالها يسعى إلى إقامة علاقة مع الأم والأب والإخوة. للارتباط أهمية كبيرة بالنسبة للرضيع فهو يوفر له قاعدة آمنة تمكّنه من اكتشاف محيطه بكلّ ثقة ومعرفته بأنّه محمي من كلّ مخاطر التي قد تهدده، من خلال هذه العلاقات يتوصل إلى فكرة "إنهم يفهمونني وأنا في أمان"هي أساسية لنموه النفسي.

1-  المراحل المتعلقة بالارتباط

إنّ الارتباط يستمر بين الرضيع ووالديه في مختلف مراحل نموه، هذا الارتباط يتطور بدوره مع نمو الطفل M. Ainsworth ويستمر الي فترة عمرية متقدمة تؤمن له الاستقرار النفسي، الاجتماعي، وكدي الانفعالي.

 

 

وعليه قسمت مراحل الارتباط إلى 3 مراحل:

- مرحلة ما قبل الارتباط الأولى (0-3 أشهر):  Phase de pré-attachement initial

تكون السلوكات في هذه المرحلة غير متمايزة لأنّ قدرات الطفل الموجودة كفاءتها قليلة مثلا ما يخصّ الجانب العصبي أين ردود الأفعال العصبية غير محددة، السلوكات الموجودة في هذه المرحلة من بكاء، منعكسات الحسية الحركية...دور الوالدين ضروري فبتعرّفهم على الإشارات المقدمة من طرف الرضيع وتحقيق حاجاته يساهمان في النمو العصبي لديه وفي تأسيس الارتباط الأولي أيضا.

 - مرحلة بروز الارتباط (3-6 أشهر): Phase de l’émergence de l’attachement

تكون السلوكات في هذه المرحلة ارتباطية وموجّهة لعدّة أطراف مع تفضيل الأم عادة. تصبح العلاقة بينهما قوية وظاهرة. فالأم في هذه المرحلة تتعرف على حاجيات رضيعها بسهولة كما تتعرف على مختلف تفاعلاته. الرضيع من جهته يظهر نوعا من السيطرة على حاجاته البيولوجية فيوجهها للآخر.

- مرحلة الارتباط (6 أشهر- سنتين): Phase de l’attachement

في هذه المرحلة يحتاج الرضيع في نفس الوقت إلى الارتباط، الاقتراب من الآخر الراشد وللاستقلالية أيضا. يصدر إشارات يعبّر من خلالها عن حاجاته للطرف الآخر (الأم) التي تعمل على إشباعها بطريقة مناسبة ومتناسقة. مع بداية المشي يبدأ الطفل بالتنقل وتوسيع محيطه، يسعى إلى الاستقلالية ولكن يحتاج أيضا إلى الارتباط مع الأم التي تُعطيه الأساس الآمن الذي يسمح له بالاستكشاف وعدم الخوف من المخاطر التي قد تواجهه في هذا المحيط، وبالتالي اكتشاف محيط جديد وغريب.

2-  أنواع الارتباط:

الارتباط علاقة ضرورية يحتاجها الرضيع/ الطفل، توفر له الأمن والراحة وذلك من خلال توفر الأم التي تشبع حاجاته بطرق متناسقة ومناسبة. هذا النوع من الارتباط يسمى بـ الارتباط الآمن l’attachement sécurisantحتى يكون الارتباط آمن بين الطفل ووالديه، يجب على الوالدين أن يكونا:

- موجودين disponible

-يفهمان حاجيات طفلهما.

-يستعملان المستوى العاطفي من التفاعل فيُبديان عواطف، ليونة، صرامة أثناء تعاملهما مع طفلهما.

-يرغبان في التعامل مع ذلك الطفل وتحقيق حاجاته وإشباعها.

- التوازن والتناسق في استجاباتهما بِما يتناسب مع حاجات ذلك الطفل.

- استمرارية في إشباع الرغبات بحيث لا يكون ذلك بشكل متقطع.

بذلك يُؤسس الطفل ارتباطا فعّالاً مع الوالدين، يظهر ذلك من خلال بعض السلوكات:

-نجده يبحث عن والديه ويسعى للتقرب منهما.

- يبحث عن الاتصال الجسدي معهما (المستوى الجسدي من الارتباط) لأنّ ذلك يشعره بوجودهما ويسمح بتوفير العاطفة والاستهامات أيضا، من خلال ذلك يتعرّف على جسده وأعضائه.

Ø  يُتابع التفاعل مع الطرف الآخر ويستمتع به.

- يبحث الرضيع/ الطفل على الاتصال معهما عن بعد: فحتى وإن لم يكونا بقربه يعتمد للتواصل معهما مثلا على الاتصال بالنظر، بالسمع... هذا ضروري لأنه يسهل الانفصال لاحقا.

-الطفل يهدأ بسرعة بمجرد تواجد الآخر أمامه الذي يوفر له قاعدة الأمن، يشعره بأنه مهم ومحمي فيعمل على اكتشاف محيطه.

بمقابل الارتباط الآمن نجد الارتباط الغير آمن L’attachement insécurise...يتشكل هذا النوع من الارتباط لِما يكون الوالدان:

- غير موجودين لإشباع رغبات وحاجات طفلهما في الوقت المناسب وباستمرار.

-لا يفهمان حاجاته: لأنهما لا يستطيعان تفسير الإشارات التي تصدر منه.

-لا يستعملان المستوى العاطفي للارتباط: لا يُبديان مشاعر وعواطف عند تعاملهما مع طفلهما.

-ليست لديهم القدرة والرغبة في التفاعل مع طفلهم وتبادل الإشارات بينهما من تبادل للنظرات، التحدث، التلامس الجسدي، وإن قاما بها فتكون قليلة.

ينقسم هذا النوع حسب درجة إهمال وغياب الوالدين إلى:

أ - الارتباط القلق أو المتناقض:

هي ردود أفعال الوالدين تكون متقطعة وغير مستمرة، فالإشباع يكون جزئي ومتقطع، في هذه الحالة لا ينتظر الطفل ردّة فعل من والديه فهم أحيانا موجودين لتحقيق رغباته وأحيانا لا. إنّ الطفل في هذه الحالة ييأس وهو يبحث عن قرب والديه وتواجدهما عند حاجته إليهم، كما أنه لا ينتظر استمرارية هذا التواجد. يصبح الطفل مضطرب كلما غابا عن مجال نظره لأنه بمجرد غيابهم عن هذا المجال تغيب رموز الارتباط فلا يستطيعون تهدئته. فيشعر بالخوف من الابتعاد عن هذه الرموز حتى يكتشف محيطه.

ما نلاحظه في هذا النوع: بقاء الطفل دائما بقرب أمه بالخصوص، لا يتحمّل غيابها وإذا حدث ذلك وغابت فإنّ ردّة فعله تكون لما تعود من جهة عبارة عن اقتراب منها ومن جهة أخرى رفضها. هذا انعكاس لسلوكها لأنها أحيانا تكون موجودة أي ترغب فيه وأحيانا غير موجودة أي ترفضه.

ب - الارتباط الاجتنابي: في هذا النوع:

- الوالد يعتمد على سلوكات رفض وعقاب.

-يبحث الوالد أن يكون طفله دائما يقضِ، منتبه وأن يقوم بحماية نفسه بنفسه.

- يجب على الطفل أن يبحث عن حاجات عاطفية حتى يرفضه ويجرحه بردود أفعاله.

- على هذا الطفل أن يشبع رغباته لوحده وإلا يُعاقب ويرفض.

-عليه أن يهتم بوالده وينسى حاجاته الخاصة حتى يحبه هذا الوالد..

ممّا يجعل الطفل يتجاهل هذا الوالد (الأم بالخصوص)، لا يبحث عن الاقتراب منه ويرفضه..

ج - الارتباط الغير منظم:

في النوع الأخير من الارتباطات الغير آمنة يتسم سلوك الوالد بالتجاهل الشديد لطفله مع عدوانية جسدية أو نفسية.

-الطفل لا يعرف ما عليه فعله حتى تتحقق حاجاته، يكون يائسا، مع ظهور بعض الاختلالات في انفعالاته وسلوكه العام وخاصة المزاج.

-الطفل لا يتمكن من حماية نفسه ولا يعرف الطريقة المناسبة التي تحقق ذلك.

- يبحث عن طرق ذكية للاحتماء أو يعمل على خلق عالم خاص له لوحده.

فسلوكيات الطفل تكون هنا مجردة من أيّ تناسق، ناقصة، يشعر بقلق شديد، لا يجد الوسيلة لتخفيضه (يكون في حالة إنذار)...

3- العوامل المؤثرة في الارتباط:

ما هي العوامل التي قد تساهم في اضطراب علاقة الارتباط بين الطفل ووالديه؟

إنّ العوامل المؤثرة قد تكون من جانب الطفل:

فيكون الطفل مبتسم، حساس ينفعل ويتأثر بسرعة، قلق. هذه العوامل من ولادة مبكرة أين الرضيع تكون إمكانياته قليلة، لا يستطيع التعرّف على الإشارات المحيطة به كلها يصعب عليه الاتصال بالآخر ممّا يصعب تأسيس الارتباط. أيضا بالنسبة للطفل الحساس والقلق لأنّ ذلك يسبب له ردود أفعال متوترة فلا يمكنه تأسيس العلاقة بسبب حالة الإنذار الموجود فيها أما الرضيع الحساس يصل بسرعة إلى فكرة أنه ليس مهم وليس آمن.

- جانب الوالدين: الأم تكون منشغلة، متمركزة على ذاتها، ليست ناضجة عاطفيا بحيث تجد صعوبة في تحقيق ما يريده رضيعها/ طفلها إما بسبب عدم معرفتها ما يحتاجه أو أنها لا تستطيع الاستمرار في هذه المهمة. الأم تكون منهارة، تتناول مخدرات، وجود مشاكل وصراعات وضغوطات تؤثر على إمكانية وجودها المتواصل معه.

- جانب المحيط: يجمع كل المشاكل والظروف التي تؤثر على العلاقة بين الوالد وابنه سواء من حيث تواجده أو من حيث نوعية الاستجابة وغالبا تؤدي إلى حالة تجاهل دائمة وطويلة.

4- تأثير هذه العوامل على الارتباط من حيث كميته أو نوعيته: إنّ هذه العوامل تؤثر على الارتباط من حيث كميته ونوعيته.

- من حيث الكمية:

 خصوصا في العلاقات الأولى بعد الولادة لأنها ضرورية لتشكيل الارتباط الأولي الضروري لتكوين العلاقة بين الأم خصوصا والرضيع، كذلك التأثير يكون في مراحل الطفولة المختلفة، وقد تمّت الإشارة بالخصوص إلى نوع الاضطراب الذي قد ينتج: الارتباط القلق أو المتناقض. في هذا النوع غالبا ما يكون المشكل مرتبط بحالة انهيارية تُعاني منها الأم ممّا يقلل من تبادلاتها، مهامها...، ممّا يؤدي إلى ظهور حالة انهيار جزيئي لدى الرضيع/الطفل micro dépression فيغيب التفاعل البصري، كما يفقد إيمائية وتعابير الوجه، وضعية جسمه تصبح جامدة فيفقد نشاطاته وتفاعلاته، لا يهتم باكتشاف ما حوله، ممّا قد يكون السبب في ظهور اضطرابات نفسية هامة، ولكن هذا لا يحدث في كل الحالات. - من حيث النوعية: باعتبار أنّ للارتباط مستويات جسدية، عاطفية واستهامية فمثلا المستوى الجسدي ينقسم بدوره إلى تفاعلات بصرية، جسدية، صوتية. أحيانا قد يغلب نوع من التفاعل على الأنواع الأخرى ممّا قد يؤدي إلى ظهور صعوبات كاستعمال التفاعل الجسدي أكثر من المستوى البصري والصوتي مع غيابات متكررة يؤثر على النمو النرجسي الأولي للطفل.

 كيفية تأثير هذه الاضطرابات في الارتباط على الرضيع - طفل:

 من خلال الاضطرابات في الارتباط إن حاجات الرضيع لا تشبع ممّا يشعره بأنّه ليس له أيّ تأثير على المحيط الذي لا يعرفه كما لا يعرف ما قد يأتي منه فيكون الوسط غير منظم و ردود أفعاله غير متوقعة. كما يصعب اكتشافه وتعرفه على مشاعره الخاصة وانفعالاته. إنّ قدرة الرضيع على تحديد انفعالاته وتعديلها مرتبط بمدى تواجد الوالد (الأم) واستجاباتها المناسبة لانفعالاته الأولى التي تكون مندفعة، يساعده الوالد على تحديدها، تأويلها وإعطائها معنى، كما يساعده على استعمالها. في غياب هذه التجارب لا يجد الرضيع/ الطفل الفرصة لفهم انفعالاته ومشاعره والتحكم فيها، ذلك يؤثر على حله لمشاكله. كما يتأثر مفهوم الأنا لديه بسبب الفكرة الموجودة: لا أحد يسمعه، يشعره بالأمن ويهتم به فتكون ردّة فعله تكوين نظرة سلبية عن ذاته وعدم الرغبة في أيّ شيء. تتأثر أيضا استقلالية لأنه لا يصل إلى هذه المرحلة بشكل إيجابي، كما يتأثر تفكيره وتقديره لذاته فبذلك ينطوي على نفسه، يكون حزينا، يعتمد على سلوكات لكن لا توفر له اللّذة.

- الحداد Le deuil: الحداد حسب Freud عبارة عن عملية نفسية داخلية مرتبطة بفقدان موضوع الارتباط، من خلالها تنجح الحالة تدريجيا في الانفصال عنه.

 «Un processus intrapsychique. Consécutif à la perte d’un objet d’attachement et par lequel le sujet réussi progressivement à se détacher de celui-ci » 

تُلاحظ حالة الحداد لدى الأطفال الذين يُعانون من حرمان عاطفي. يعبّر من خلالها الطفل عن فقدانه للطرف الآخر للارتباط، هذا الفقدان قد يكون سببه الموت أو ابتعاد للوالدين أحدهما أو كليهما. فالفقدان قد يكون كمي أو كيفي. ما يميز الأطفال المعرضين لحالة الفقدان الكيفي هي حالة المقاومة التي يظهرونها. فغالبًا ما يكونون صورة إيجابية عن الوالدين تكون على شكل تمثلات مليئة بالحيوية والسعادة. يسبب الابتعاد مشكل في الارتباط لدى الطفل يسبب له حالة قلق وتوتر وحرمان وبالتالي حالة إنذار يسعى الطفل للتغلب عليها إلى الابتعاد عن الواقع ومحوه، فيستعمل ميكانيزمين دفاعيين: Le clivage ; Le déni وذلك ليُحافظ على بقائه....تكوين الصورة الإيجابية للوالدين تكون على حساب نرجسيته، فالطفل نتيجة الحرمان والمشكل العلائقي من جهة ونتيجة وجود أمل في حالة وجود الوالدين أحدهما أو كليهما يستعمل الطفل الطاقة الليبيدية لدعم والديه. ممّا يسبب له حالة تعبّر ناتج عن مقاومة الحداد.

 - وتيرة جسم غير ثابتة:

إنّ دور الوالدين (الأم) هام جدا يتدخل حتى في النمو العضوي الفيزيولوجي للطفل. الارتباط والتفاعل المشترك يعمل على إثارة الطرفين بما فيهم الرضيع/ الطفل وبالتالي تنبيه على مستوى الدماغ. كلما كانت الاستثارة قليلة ومتقطعة فإنّ تنبيه الدماغ يكون غير كافي ممّا يؤدي إلى عدم ثبات على مستوى النشاط الجسمي: ضربات القلب، التنفس، حرارة الجيم، الانتباه، النوم، الشهية...في الحالات الأقل خطورة تظهر بعض المشاكل كاضطرابات غذائية، صعوبة في التكيّف مع العوامل الخارجية، اضطرابات انفعالية.

- نقص في النشاط المناعي، قلق مستمر:

النقص في الاستثارة الجسدية (التفاعل الجسدي) المبكر وتجارب الانفصال قد يؤدي إلى اختلالات في الوظيفة المناعية. نقص في إنتاج وتمايز Les lymphocytesإنّ الانفصال يسبب حالة قلق للطفل، تجارب الانفصال والقلق الناتج يؤثر على الوظيفة المناعية ويؤدي إلى أمراض سيكوسوماتية.

هناك عدّة خصائص وظروف لدى هذا الطفل تؤثر على الجهاز العصبي المستقل لديه الذي يؤثر بدوره على الجهاز المناعي، ممّا يسبب ضعف وعدم ثبات:

-      اضطرابات الارتباط.

-      الحداد ومحاولة مقاومته أو الاستسلام.

-       L’alexithymie et stress

-       Le névrosisme

-      الأحداث والمواقف القلقة.

بالإضافة إلى أنّ الرضيع وبعد ذلك الطفل لا يزال في مرحلة النمو، مختلف الأجهزة بما فيها الجهاز المناعي الذي لم يصل بعد إلى مرحلة النضج. إنّ الرضيع يتمتع بجهاز مناعي ولكنه ليس كفئ. إنّ المولود يولد بقدرات مناعية أولية فطرية تكون عامة، سريعة لكنها ليست فعّالة في كل الحالات، بعد ذلك يتحصل تدريجيا على المناعة المكتسبة الخاصة، عملها يكون بطيء وفعّال وخاص بكل فيروس وخطر معين. لذلك فغنّ الخصوصيات النفسية، الجسدية، الاجتماعية تجعل الجهاز المناعي في نشاط مستمر وسريع اتجاه عدّة مخاطر داخلية وخارجية تحتاج إلى نشاط وردّ فعل مناعي كبير للتعامل معها رغم أنّ كفاءته لا تزال ضئيلة، ذلك يؤثر على نمو الجهاز المناعي وتمايز خلاياه، فيصبح الطفل حساس اتجاه الاضطرابات. اتفق معظم الباحثين النفسانيين في الألفية الأخيرة أنّ هؤلاء المرضى يعرفون بميولات في استعمال ميكانزمات دفاعية متقاربة مع الذي نصادفه عند الذهانيين مثل الإسقاط والامتصاص وبعض ردود الفعل المرضية متلائمة مع الرغبة في الهروب بتكرار صيغة الاستقلال السل مثلا كمرض وذلك إمّا عن طريق العدوانية والدفاعية مثل مرض ارتفاع الضغط الشرياني إمّا عن طريق المناقض لهذين الصيغتين مرض الربو، نعتبر أنّ المرض السيكوسوماتي يتناسب مع مستوى النظام وبالأحسن اضطراب نظام الشخصية أكثر تسلسلا من الأعراض العصبية. ولمقاومة الاندفاعات فإنّ هؤلاء المرضى يتبنون سلوكا بعيدا نوعا ما عن المرونة والتكيّف، متقربين عن طريق السلوك العصابي نظرا لضعف الوضعية النرجسية لديهم غير أنّ التكيّف الاجتماعي يمنعهم من تسرب أيّ مظهر عاطفي، وهذه البرودة تمنع بدورها ظهور الرغبات والتمثلات هذا ما سيحدث عند إصابة النموذج الأصلي للارتباط. إنّ الرغبة القوية للتبعية وقوة العدوانية تجعل الشخص في خطر إذا رضي بالدخول في الحياة الاندفاعية والليبيدية والعدوانية الواعية، حيث أنّ الحياة العقلية والذهنية، والاستهامية تنحصر في دور عقلاني وآلي. وهذا النوع من التوظيف العقلي Pensée Opération قد وصفه الكثير باسم التفكير العملي. فالإنسان السيكوسوماتي منقطع عن اللاشعور يتصف بغياب حرية الاستهامات مع فقر في أحلام اليقظة وأحلام الليل مع سطحية اللغة، الفقيرة للرّنة المشبعة بالانفعالات، ومع برودة في العلاقة، فيظهر على قياس عالم دون جاذبية ودون آفاق. أمّا من الناحية الاقتصادية فعِوَض أن تتكفل الحياة الذهنية بالطاقة الليبيدية وذلك لتضمن له مخارج مفيدة، هنا تهرب الطاقة للمظاهر الذهنية والانمدماجية، وتدهور النظام الوظيفي السوماتية، هؤلاء ذو نرجسية هشة لا يستطيعون تحمّل الصدمات دون اضطراب ممّا يؤدي بهم إلى إسقاطه على الجانب السوماتية، مع المحافظة العملية لغريزة الموت التي تظهر أيضا في الانهيار السيكوسوماتي. وهكذا فإنّ فكرة مفهوم الرجوع للبنية الذهنية عند الطفل يطرح مشاكل مهمة معقدة، وفي بعض الأحيان غير واضحة، فيجب التكلم على نوعية التوظيف الذهني الحالي للطفل، والذي هو خاضع لعدّة تغيرات لاحقة ومتطورة، في هذا السن للطفولة، في هذا السن بالضبط تبقى المرونة ميزة أساسية له. وقد حلّل الباحث السيكوسوماتي Léon Kreisler أفكاراً عديدة بعد عدّة فحوصات للطفل السيكوسوماتي واقترح علينا هذه الاستنتاجات:

1.      غياب القلق اتجاه الأجنبي عند الطفل، سلوك غير مميز اتجاه الأشخاص، يؤكد عدم تكوين العلاقة الموضوعية، وهذا النقص هو دليل التدهور المهم، فالتخوف الأولي الذي هو القلق من الأجنبي يلعب دوراً أساسياً في وضع الوظائف الذهنية خاصة تكوين وظائف التمثل Fonction Représentatif

2.      اضطراب اقتصادي أساسي في تماثل التوظيف الشبقي- الذاتي من جهة، والموضوعي من جهة أخرى Fonctionnement Auto-érotique

3.      العلاقة مع الآخرين نشيطة لكنها غير مميزة ومتساوية مع التعلّق بالصدمات، وبالوسط المادين فهل هو يعبّر عن فراغ عاطفي أم عن تعطش عاطفي؟ وهذا الفراغ هو نتيجة غياب الامتصاص الدائم للصورة الأمومية.

4.      الحاجة للارتباط بالأشياء وبالعالم الإدراكي- الحركي monde cognitive-moteur وذلك في حالة هيجان دائم، وقد يقترح في نهاية التحليل استنتاجات قريبة من التي وضعها في مجموعة أعراض السلوك الفارغ Comportement vide للأطفال والتي هي وضع أولي لعِصاب السلوك.

5.      تظهر نوعية الاستدراك عند المريض حين تحويل كلّ تصرفاته العادية، مع تغيير جديد وجذري لتصرفات الأم.

يجب الإشارة إلى أنّ كلّ مرحلة من مراحل سن الإنسان، إنّ الوضعية النفسية المتكاملة والمتواجدة في وسط عاطفي دافئ تكون بالضرورة متّزنة وهذا يجعل وسائلها الدفاعية صارمة ضدّ أيّ خلل سيكوسوماتي، ومن خلال التطلّع على موضوع سيكوسوماتية الربو عند الطفل المُلاحظ أنّ معظم الباحثين النفسانيين لا يتحدثون عن الإصابة السيكوسوماتية إلا إثناء المرحلة الثانية من الطفولة، بحيث لاحظنا في إكلينيكية التعبير السيكوسوماتي ذكروا مفهوم الاضطراب الوظيفي Troubles Fonctionnel عِوض السيكوسوماتية في بداية حياة الطفل، وأثناء تطورها تكون البنية السيكوسوماتية بحيث لاحظنا عدّة إصابات سيكوسوماتية عند الطفل منها الربو الذي يظهر في البداية عند الرضيع كاضطراب في الوظيفة مثل العُسْر في التنفس، الحساسية الجلدية "الإكزيما" وتطور هذه الأعراض لتصبح بنية مرضية سيكوسوماتية "الربو" ومنه إلى مفهوم التعبير الذهني التعقيل Mentalisation الذي بواسطته نستطيع التكلم عن الصحة العقلية التي هي التوازن بين متطلبات الطفل المتغيرة ومستلزمات الوسط الخارجي معتمدة أساسا على التبادلات بين الأم والطفل. وهذه العملية لا يمكنها أن تتحقق إلاّ بواسطة الإعداد الذهني أو التعقيل وهو مفهوم يعبّر عن عمل الجهاز النفسي المتواصل لتفريغ الهيجانات عن طريق التفكير. هناك إمكانية التفريغ عن طريق السلوكات الحسية الحركية، وإذا لم تجد هذه الهيجانات المندفعة مخرجاً نفسياً فقد يؤدي تراكمها إلى ردّ فعل سوماتي أي جسدي. إذن هذا المفهوم يُعالج نوعية وكيفية التصورات أثناء النمو لدى الطفل وتظهر أول مرحلة من 6-9 أشهر، وهي المرحلة الحساسة جداً لدى مراحل حياة الطفل لأنها تشهد التنظيم أو الإعداد الذهني، وتكوين الموضوع، والأنا المستقبل.

- التفاعل العلائقي أم- طفل وأثره على الطفل المصاب

انه لمن المفيد تحددها الآلام وضيق نفسي يظهر على شكل عرض جسدي. الآلية السيكوسوماتية هي ميكانزم دفاعي الذي يعبّر من خلاله عن الآلام والضيق النفسي على شكل أعراض جسمية. الضيق النفسي للآلية السيكوسوماتية يتشكل في عمومه، باضطراب في المزاج الذي يهدد التوازن العقلي. إنّ رّدات الفعل العاطفية مثل القلق النفسي والاكتئاب تستمر أعراضها وليس لها علاقة بمرض معين. الآلية السيكوسوماتية يمكن لها أن تكون شعورية أو لاشعورية ويمكن لها أن تتأثر بالضيق النفسي أو بالرغبة لميزة شخصية (ذاتية).

 

 

أ‌)    المحيط الاجتماعي:

إنّ الوسط الذي تعيش فيه العائلة يؤثر على نوعية الارتباط الموجود بداخلها. فغالبًا ما يرتبط المستوى الاجتماعي والاقتصادي المتدني بالارتباط الغير آمن فيكون الوسط يتسم بقلة الاستثارة، عدم التوازن والثبات، الطرف الثاني للارتباط يتواجد بقلة بسبب الظروف المتدنية. بالإضافة إلى انهيار القيم والمعايير، انحرافات، تلوث، ضجيج، صراعات، اختلاف بين الوسط العائلي والاجتماعي، نقص الدّعم الاجتماعي، مشاكل في التواصل...

ب‌)   العائلة: مشاكل عائلية:

-    غياب التنظيم في الحياة اليومية.

-    صراعات ومشاكل متعددة.

-    قصور اجتماعي، تربوي..

-    مشاكل نفسية لدى الوالدين غالبا تكون غير معروفة.

-    طبيعة العلاقات والتواصل داخل العائلة.

 الأم مُنهارة: في حالة إصابة الأم بحالة انهيارية فإنّ ذلك يؤثر على علاقتها مع طفلها، عنايتها به.. فيظهر الطفل حالة من الانعزالية (لا يتفاعل)، سلوكات سلبية. في حالة الانهيار الشديد للأم، ذلك يسبب من جهة نقص في العناية الأمومية والارتباط، من جهة أخرى يوفر مشاعر إيجابية موجهة للطفل لكن تصل أحيانا إلى درجة الغضب. الطفل قد ينمي في بعض الأحيان حالة تكيّف مفرط مع اضطراب الأم، يتكيّف مع حالة الانهيار التي تُعاني منها ومع سلوكها السلبي.

 غياب مطول للأب، يؤثر غياب الأب المطوّل على نمو الطفل: على تكوينه لصورة الأب، يؤثر على التقّمص، زيادة مسؤولية الأم التي عليها القيام يكلا الدورين.

الوفاة: تعتبر من أهم الأحداث التي تؤدي إلى السرطان. الوفاة تؤثر على النمو الانفعالي للطفل، إذا كان الطفل ذكرا فإنّ وفاة الأب يؤثر على نموه وانفصاله عن الأم. تتدخل عوامل في ذلك:

 مفهوم الطفل للوفاة، سنه، اتجاهات الأم نحو ذلك.

 الانفصال: الانفصال وبالتالي غياب أحد الوالدين أي نقص في التفاعل والارتباط ونقص في أدوار ومهام أحدهم، ممّا يؤثر على التوازن النفسي للطفل.

- الآلية السيكوسوماتية عند Winnicott:

الاضطراب السيكوسوماتي الحقيقي، هو الذي تظهر فيه الآلية السيكوسوماتية ليست كنتيجة لصيرورة التحويل، إنها تتميز من خلال آلامها هي تعبير عن «Scission esprit-corps»، (انقسام: النفس والجسد) على وجه خاص. في مثل هذه الحالات، الإحساسات الجسمية ليست مُهيأة وتقدم رموز بطريقة خاصة، ولهذا السبب النشاط النفسي سيصبح شيئا منفصلا عن التعبيرات الجسدية والإحساس بالذات يُلاحظ بشكل غير رسمي في النفس (esprit). في مثل هذه الانقسامات فإنها تحميه من آلام ذهنية قوية وتسمح للمريض من خفض الأثر (D’autosuffisance) بقدر المُستطاع بشكل آلي في مرحلة النمو (D’un faux-self) الذات المرضية «Ibidem»  تتميز بشكل عقلي مفرط لا تدخل في تجربته الجسدية.

مخطط توضيحي للآلية السيكوسوماتية (Somatisations ¬)

Psychotherapeute.files.wordpress.com/2008/06/…

 

 

 

- من البنية السيكوسوماتية إلى صيرورة الآلية السيكوسوماتية:

Pierre Marty، تكلم عن البنية السيكوسوماتية، ولقد غيّر قليلا في جوهر هذا التعبير وكليا بمفهوم صيرورة الآلية السيكوسوماتية، أكثر توسعًا وأكثر ليونة. المدرسة السيكوسوماتية الباريسية لا تنفصل عن علم النفس التأملي الخاص بمدرسة التحليل النفسي (Métapsychologie Psychanalytique) والتي تؤسس القاعدة النظرية. اكتشاف فرويد لمفهوم «Pulsion»  الرغبة المكبوت كتقديم لظاهرة النفسية لغريزة وضع نهاية للانفصال الاستبدادي بين الجسم والنفس (Corps et L’Esprit)

«La pulsion est un concept limite entre le biologique et le psychique » ثم قال بعد ذلك

 «Le Moi est avant tout un Moi corporel»  

هي عبارتين أساسيتين لم تكونا موجودتين كفاية في النفس في بعض التطبيقات التحليل النفسي المزامن، إذا أخذنا بعين الاعتبار الجسم شبقي، فضلا عن ذلك لم نعرف لوقت طويل العلاقة الضمنية للاضطرابات النمو المبكرة للإنسان وتأثيرها علي الجسد السوماتي.

- الآلية السيكوسوماتية كفشل في التمثيل بالرموز (التجسيد):

العيادة السيكوسوماتية اكتشفت وضعية تُضاهي القانون الرمزي (Symbolique) المتمثل بظاهرة أخرى، الذي يُؤكد على المُلاحظ المشتركة بأنّ المرضى السيكوسوماتيين نادرا ما يكون مجانين، بل على العكس. ومن جهة أخرى، إكلينيكية الاضطرابات السيكوسوماتية كشفت عن تماهي خيالي (Identification imaginaire) لجسم الآخر. يتبيّن أنّ هذه الاضطرابات هي الأثر في الجسم الفرد بالتماهي الامتصاصي (Identification interjective)، حيث أنّ هذا الأخير يقلّد جسم الآخر، لذلك نحن نفترض بأنّ خطاب هذه المقابلة مع الموضوع لها بنية منحرفة، ونحسّ بأنها تظهر قوة إرادية للآخر بتمتع بجسم الفرد. ميزة عدم الدّعم لتماهيه الخيالي لا يمنع إلا التمثل الذي في الفرد، لجسمه المميّز وجسم الآخر لكي يعمل كصيرورة لتكيّف التجربة ناقصة وهي ميزة في الإنسان. العضو المختار في المرض ليس غريبا، كما أشار إليه J. Guir، ميزة الاضطرابات السيكوسوماتية كما نعتقد ملاحظته في ميزة ميكانزم التحويل في الحالة التي أشار إليها Breuer et Freud. تمركز (Localisation) الجسمي يظهر كإشارة (Signaler)، وكمخرج لتكيّف البيئي (Mimétisme)، من الصعب تماهي الموضوع من جانب إلى الآخر: الفرد المُصاب في جسمه الذي له صلة بجسم الآخر في مكان مهدد بتغير حقيقي أو خيالي.

صعوبة تماهي الخيالي من الآخر إلى الآخر نجده في حالة التحويل في تماهي الأوديبي الكلاسيكي للأولياء هي: نتائج قليلة بالنسبة للأضرار الجسمية بين عرض التحوّل وأعراض عصابية خاصة (مثل الهستيريا التحولية). أضرار أقلّ في عرض التحوّل أو الاضطراب الوظيفي بالنسبة للأضرار السيكوسوماتية (أين نجد أنّ الأنسجة لا تعمل ، والتي تفسد)، لأنه كل واحد من والدي الطفل يتقدم بطريقة أكثر وضوحا من أجل طفله، كتقديم له شيء يرغب فيه الطفل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المراجع

- سامر جميل رضوان (2003): الصحة النفسية، الطبعة الثانية دار النشر والتوزيع، الأردن

 -Franco Baldoni et Giancarlo Trombim(2005) : La Psychosomatique (L’équilibre entre corps et esprit), paris, France

-  Marilou Bruchon- Schweitzer(2002), Psychologie de la santé,.

 - Schmoll  (1982)  Processus identificatoires et somatisation, éléments pour une théorie des phénomènes psychosomatiques, Rue de médecine Psychosomatique, Tome 24, N°1.

- Léon- Kreisler1983: La Psychosomatie de l’Enfant. Ed. que sais-je. Paris

http://www.perso.club.internet.fr/aflande/psycho/defaillancepere.html

http://www.vulgaris-medial.com/encyclopédia/stress-et-immunité-4389/physiologie.html