مفهوم جريمة الاعمال
لقد اختلفت التشريعات الجزائية[1] في وضع تعريف محدد وشامل لجريمة الاعمال يصلح لكل زمان ومكان بل امتد الخلاف حتى بين الفقهاء ، فقد حاولوا وضع تعريف ملائم لجريمة الاعمال وذلك من الوجهة التي يراها مناسبة حيث اتجه الفقه المعاصر إلى اتجاهين ، الأول تبنى المفهوم الضيق للجريمة الاعمال ، أما الاتجاه الثاني فتبنى المفهوم الواسع للجريمة الاعمال.
ومن أقطاب الاتجاه الأول نجد الفقيه الفرنسي "JEAN PRADEL"الذي عرف الجريمة الاعمال على أنها :" تلك الممارسات والسلوكيات والمبادلات التجارية المنافية لقواعد السوق سواء كانت هذه المبادلات تجمع بين منتج وموزع أو بين موزع ومستهلك وسواء كانت هذه المبادلات تتعلق بمنتوج أو خدمة"[2]
إلا أنه يُعاب على هذا التعريف، هو أنه حصر أو ربط جريمة الاعمال بعملية المبادلات التجارية التي تتسم داخل سوق حيث ضيق الفقيه Jean Pradel من نطاق الجريمة الاعمال .
أما الفقيه J .Larguier فقد عرفها بأنها :" تلك الجريمة التي ترتبط برأس المال" [3]لقد تم انتقاد هذا التعريف الذي جاء به J .Larguier على أساس أن جريمة الاعمال لها علاقة وطيدة برأس المال ، في حين أثبت الواقع أن للجريمة الاعمال محددات ومعايير تختلف من نظام اقتصادي إلى آخر.
أما الاتجاه الموسع ، فقد شهد مساندة أغلبية الشراح والفقهاء وتعددت تبعا لذلك المحاولات الفقهية لتعريف الجريمة الاقتصادية فقد عرفها البعض بأنها:" كل عمل وامتناع يقع بالمخالفة للقواعد المقررة لتنظيم أو حماية السياسة الاقتصادية للدولة إذا نص على الجريمة في هذا القانون أو في القوانين الخاصة "[4]
كما عرفت جريمة الاعمال " هي كل فعل أو امتناع عن فعل يعاقب عليه القانون ويكون مخالفا للسياسة الاقتصادية المعتمدة في دولة معينة" [5]أما الأستاذ منتصر سعيد حمودة فعرف جريمة الاعمال بأنها " هي كل فعل أو امتناع يقع بالمخالفة للقانون العقابي أو القوانين العقابية الخاصة الأخرى ، ويشكل خطرا شديدا أو يتسبب ضررا للاقتصاد الوطني " [6]
أما فيما يخص موقف القضاء، نجد محكمة النقض الفرنسية عرفتها بأنها:" كل عمل أو امتناع يقع بالمخالفة للقانون الاقتصادي الذي ينظم مجموعة النصوص التي تنظم إنتاج وتوزيع واستهلاك وتداول السلع والخدمات.. وكل ما يلحق ضررا مباشر باقتصاد البلاد"[7]
يستنتج من هذا التعريف التي جاءت به محكمة النقض الفرنسية أن كل سلوك مهما كانت طبيعته أو نوعه يقع بالمخالفة للقواعد المنظمة للقانون الاقتصادي ، يعد فعلا يشكل جريمة اعمال مما يستوجب معه توقيع العقاب على مرتكبها ، ثم قامت بذلك بحصر المحاور الكبرى المنظمة للقانون الاقتصادي والذي يشمل على أدوات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك وتداول السلع والخدمات وكل ما يخلق ضررا مباشرا بالاقتصاد الوطني.
أما بخصوص موقف القضاء الجزائري في تحديد جريمة الاعمال فإننا لم نعثر على أي حكم قضائي يبين المعايير التي تبناها أو أخذ بها القضاء الجزائري في تحديد جريمة الاعمال والسبب في ذلك يعود إلى عدم وجود محاكم وقضاة متخصصين في ميدان جرائم الاعمال من جهة، والتأخر الكبير الذي سجلته الجزائر في اعتماد سياسة التكوين المستمر للقضاة في هذا الميدان من جهة أخرى ولكن ذلك لا يعني أن نجعل من القاضي خبيرا اقتصاديا ملما بالسياسة الاقتصادية للدولة، وإلا فما الحكمة من استعانة القضاة بخبراء في أمر يدعوا إلى طلب رأي أهل الخبرة كالمسائل المتعلقة بالمحاسبة ، التسيير...إلخ.
بعد استعراضنا إلى أهم التعريفات للجريمة الاعمال لا حظنا وجود اختلاف وتباين في هذه المفاهيم ، وهذا يرجع بالدرجة الأولى إلى طبيعة المصلحة المحمية قانونا في الجرائم الاقتصادية لكونها أنها تختلف من دولة إلى دولة أخرى ، حيث يرى جانب من الفقه الجنائي ، على أن جرائم الاعمال ذات مخاطر عالية أكثر من أي نوع آخر من الجرائم ، لأن الإجرام الاقتصادي والمالي ذو تأثير ممتد لأجيال متعددة ، كما أن تأثيره يمتد إلى أكبر قدر ممكن من الناس ، سواء من الناحيتين الاجتماعية أو الاقتصادية.
ثانيا خصائص جرائم الاعمال كما اشرنا أن جرائم الاعمال هي الجرائم التي ترتكب في ميدان النشاط الاقتصادي و التجاري و المالي ، و لها خصائص تميزها عن الجرائم التقليدية و من أهم خصائص جرائم الاعمال :
1- الطابع الاقتصادي ترتبط بالمصالح المالية و الاقتصادية مثل : الأموال ، الائتمان ، المنافسة ، السوق ، الضرائب ، البنوك
2- الطابع التقني و المعقد غالبا ما تكون معقدة من حيث الوسائل المستعملة محاسبة ، عقود ، معاملات بنكية ، أنظمة معلوماتية
3- ترتكب من قبل أشخاص ذو مستوى سوسيو اقتصادي و مالي مرتفع ما يعرف أصحاب اللياقات البيضاء في الغالب لا تقوم العنف الجسدي بل على الخداع ، التحايل ، إساءة الثقة ، أو استغلال المنصب .
4- صعوبة اكتشافها ترتكب في بيئة مغلغة نسبيا شركات ، بنوك ، إدارات و قد تبقى خفية مدة طويلة قيل اكتشافها .





