المحاضرة الثانية
إن الحديث عن التربية المقارنة يقودونا للتفريق بين التربية المقارنة بشكلها العلمي وغير العلمي، لهذا نجد مسارها التاريخي يقسم إلى:
1. فترة ما قبل التاريخ العلمي للتربية المقارنة: وهي الفترة السابقة لظهور التربية المقارنة كعلم وتخصص أكاديمي مستقل تمتد منذ أول خلق على وجه الأرض إلى غاية 1817. خلال هذه الفترة كانت هناك بعض الممارسات من قبل الفلاسفة، التجار، رحالة، مؤرخين وكذا المحاربين التي ساهمت لا محال في تطوير هذا العلم، من خلال محاولاتهم في وصف مظاهر الحياة في مختلف المجتمعات.
ويمكننا الإشارة لبعض المساهمين ما قبل الميلاد كـ "بندار، هيرودوت، هيبوكراش، بوليس قيصر وغيرهم الكثير...."
* العصور الوسطى: وهي مرحلة ازدهار الدولة الإسلامية واتسعت رقعتها ونشطت حركتها العلمية بدأت رحلات العلماء والمؤرخين المسلمين لمختلف الدول فقدموا وصفا للحياة التربوية ومؤسساتها، ومن أشهر من كتب في مجال التربية المقارنة في هذه الفترة:
• ابن جبير (ق.12م) الذي وصف الإسكندرية عند زيارتها قائلا: " من مناقب هذا البلد ومفاخره العائدة لسلطانه: المدارس والمحارس الموضوعة فيها لأهل الطب والتعبد، يفذون إليها من الأقطار النائية، فيلق كل واحد منهم مسكنا يأوي إليه ومدرسا يعلمه الفن الذي يريده
• ويقول ابن بطوطة (ق. 13م) في كتابـه "تحفة النظـار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار": "إن أهــل الشـرق يتنـافسون في عمارة المساجد والزوايا والمدارس" ويضيف "من أراد طلب العلم أو التفرغ للعبادة وجد الإعانة التامة على ذلك"، كما وصف غزة، الخليل ومساجدها إضافة إلى المسجد المقدس وذكر قبة الصخرة التي رآها من أعجب المباني وأتقنها وأغربها شكلا كما ذكر علماء فلسطين ... ووصف المدرسة المستنصرية في بغداد التي كان يُدرس بها مذاهب الفقه، كما وصف مدارس دمشق وجامع "ابن أمية" ويقول في مدرسيه "يقدم حلقات التدريس في فنون العلم والمحدثون يقرءون كتب الحديث على كراسي مرتفعة وقراء القرآن يقرأون بالأصوات الحسنة صباحا ومساءا، وبه جماعة من المعلمين لكتاب الله ستند كل منهم إلى سارية من سواري المسجد يلقن الصبيان ويقرئهم وهم لا يكتبون القران في الألواح .. وإنما يقرأون القرآن تقلقينا، ومعلم الخط غير معلم القرآن....".
• ابن خلدون والذي يعد أشهر من كتب في مجال التربية المقارنة وبشكل علمي، فوصفه أول رئيس للجمعية الأمريكية للتربية المقارنة "وليام بريكمان William W. Brickman" بفضل كتاباته بأنه باحث مهم في التربية المقارنة وهذا لأنه لم يقتصر على وصف الحياة التعليمية في مختلف البلدان فقد كان سابقا في ربط نظم التعليم ومجتمعاتها التي توجد فيها تلك النظم، وامتاز المنهج الذي اتبعه عن ابن بطوطة وابن جبير بسعة أفقه وشموليته وموسوعيته.
* العصور الحديثة: تتزامن والنهضة الأوروبية أين فتحت القنصليات فزادت علمية الوصف إلا أن ما كتبه ابن خلدون يبقى الأهم.
المحاضرة الثالثة
فترة التاريخ العلمي للتربية المقارنة: تمتد من 1817 إلى غاية اليوم، وتقسم إلى:
• النقل والاستعارة: 1817 إلى ق 19م، ساهمت تطورات كثيرة في توجه عديد الباحثين للاهتمام بهذا العلم ودراسة النظم التعليمية، واعتبر الكثيرين أن التاريخ العلمي للتربية المقارنة لكتاب جوليان أنطوان "خطة وأفكار أولية عن عمل في التربية المقارنة"، فقد زار جوليان دول أوربية وحدد 6 نظم تعليمية واعتبرها بمثابة المعامل التربوية (أمريكا، روسيا، انجلترا، ألمانيا، إيطاليا وفرنسا). ثم توالت الكتابات لتتحول إلى دراسة تفصيلية للنظم التعليمية المحلية والنظم الموجودة في البلدان المجاورة بهدف الاستفادة منها.
• مرحلة القوى والعوامل الثقافية: مرحلة النصف الأول من القرن 20، على أعقاب الانتقادات التي وجهت للمرحلة السابقة بدأت مرحلة جديدة وهي مرحلة الاهتمام بشرح أوجه الشبه والاختلاف بين النظم التعليمية وكذا التعرف على القوى المؤثرة فيها (السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، الدينية...) فقد كان يؤمن رواد (كاندل، هانز...) هذه المرحلة بأن النظام التعليمي وليد مجتمعه، إذ يرى رائدها الانجليزي سادلر أن النظام التعليمي جزء لا يتجزأ من النسيج المجتمعي
• مرحلة المنهجية العلمية: بدأت المرحلة مع انتهاء الحرب العالمية الثانية ولازالت مستمرة، ازدهرت في العلوم التجريبية في مجال العلوم الاجتماعية نتيجة توافر المعلومات والتقدم التكنولوجي في وسائل جمع المعلومات، تخزينها واسترجاعها إضافة للاستعمال الواسع للوسائل الإحصائية، فنتيجة للتطورات التي انعكست إيجابا على التربية كمجال بحثي تحول هدف التربية المقارنة إلى التنبؤ بمدى إمكانية النجاح في الاستفادة من النظم التعليمية.
ودعى آرثر موهلمان الذي يعد أول من خطا على كريق المنهجية الحديثة في مجال الدراسات في التربوية المقارنة من أجل فهم النظم التعليمية لتعاون الباحثين من التخصصات وثيقة الصلة بالتربية المقارنة من أجل تحليل المشكلات المشتركة بين مختلف النظم التعليمية بشكل دقيق.
تعتمد منهجية موهلمان على تشكيل إطار نظري تبنى عليه عمليات التحليل للنظام التعليمي بهدف ضمان التحليل المنظم للاتجاهات المعاصرة والعوامل طويلة المدى بما يضمن توجهات مستقبلية صحيحة.






