القطب الجزائي الوطني لمكافحة الجرائم المتصلة بتكنلوجيات الاعلام و الاتصال
ان ظهور وتطور المعلوماتية وتطبيقاتها المختلفة قد أدى الى بروز اشكالات قانونية جديدة لم تكن معروفة من قبل، وجد القاضي إزاءها فراغا تشريعيا، حيث لم تستطع الشريعة العامة ان تجد الحلول المناسبة لهذه الاشكاليات الناتجة أساسا عن الطبيعة الخاصة للسلوكيات المرتبطة بالمعلوماتية والتقنيات الحالية المستعملة وعندما تبلغ هذه الممارسات حدها السلوك الاجرامي فأنها تصطدم بمبادئ قانونيه مستقرة وعلى اساسها مبدا الشريعة الذي يقضي بانه "لا جريمة ولا وعقوبة ولا تدبير أمن الا بنص".
هذا ما دفع المشرع الجزائري وعلى غرار العديد من التشريعات المقارنة الى التدخل سنة 2009 بموجب القانون رقم 09-04 لوضع قواعد تهدف الى الوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيا الاعلام والاتصال الذي عرفها بموجب المادة 02 من القانون رقم 09-04 بقوله "يقصد بالجرائم المتصلة بتكنولوجيات الاعلام والاتصال: جرائم المساس بأنظمة المعالجة الآلية للمعطيات المحددة في قانون العقوبات أو أي جريمة اخرى ترتكب او يسهل ارتكابها عن طريق منظومه معلوماتية او نظام للاتصالات الإلكترونية"
غير ان هذا التعريف لم يبقى على حاله بل طرأ عليه تعديل وتتميم حسب ما اوردته الفقرة الثالثة من المادة 211 مقرر 22 ق.أ.ج التي عرفت الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الاعلام والاتصال بأنها "اي جريمة ترتكب او يسهل ارتكابها باستعمال منظومات معلوماتية او نظام للاتصالات الإلكترونية او اي وسيله اخرى او اليه ذات صله بتكنولوجيات الاعلام والاتصال "
ونظرا لما تتسم به هذه الجرائم من تعقيدات، حيث قام بوضع باب سادس ضمن القواعد الإجرامية العامة يتضمن استحداث قطب جزائي وطني متخصص لمكافحة الجرائم المتصلة بالتكنولوجيا الاعلام والاتصال بموجب الأمر 21-11 المؤرخ في 25 اوت 2021 المتمم الامر رقم 66 -155 المتعلق بقانون الاجراءات الجزائية . تعزيزا او تكريسا لفكرة التخصص القضائي في مكافحه الجرائم الخطيرة التي تبلورت بعد إنشاء جهات قضائية ذات اختصاص اقليمي موسع المعروف باسم الاقطاب القضائية المتخصصة التي انشات تنفيذا لمقتضيات المواد 37 ،40، 329 من قانون الاجراءات الجزائية كجهات قضائية متخصصهةوليست خاصة او استثنائية
وقبل ذلك تعززت بإنشاء قطب جزائي وطني متخصص في الجرائم الاقتصادية والمالية بموجب الامر رقم 20-04المؤرخ في 11 اوت 2020
تكمن أهمية هذا الموضوع أساسا بالنظر لحداثة هذا القطب وارتباطه بالواقع العملي من جهة وتطور الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الاعلام والاتصال وظهورها بصفه ملفتة للنظر في الجزائر واحتلالها الصدارة في الآونة الأخيرة واضرارها البليغة على حريات الاشخاص واستقرار مؤسسات وامن المعلومات الحيوية في القطاعين الخاص والعام علما انهما تشكل مصدر خطورة على استقرار المجتمع والامن الوطني من جهة أخرى.
كل هذه الاشكالات السابقة سنحاول اقرانها ضمن إشكالية واحده تتمثل في ما مدى أهمية القطب الجزائي الوطني لمكافحه الهجمات السيبرانية على الأنظمة المعلوماتية للمنشآت الوطنية؟
وللإجابة على الإشكالية المطروحة استوجب علينا التطرق الى ماهية هذا القطب لتحديد نظامه واختصاصاته حتى يمكن التعرف على الدور الذي يلعبه في مواجهه الاعتداءات الواقعة عليها خاصه الهجمات السبيرانية على المنشآت الوطنية معتمدين في ذلك على المنهج الوصفي والتحليلي لمختلف نصوص المواد .
ماهية القطب الجزائي لمكافحه الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الاعلام والاتصال
في اطار السياسة الجنائية الرامية لمواجهه الجرائم المعلوماتية او ما اصطلح المشرع الجزائري على تسميتها ابتداء بالجرائم الماسة بأنظمة المعالجة الآلية للمعطيات بموجب تعديل قانون العقوبات سنة 2004 من خلال نص المواد 394 مكرر وما يليها منه فالجرائم المتصلة بتكنولوجيات الاعلام والاتصال بموجب القانون رقم 09-04 المتضمن القواعد الخاصة للوقاية من الجرائم الماسة بتكنولوجيات الاعلام والاتصال ووعيا منه بعدم امكانيه مواجهه هذا النمط الاجرامي المعقد، انشأ القطب الجزائي الوطني المتخصص الاطار القانوني للقطب بمعالجته في (المطلب الاول) ثم يتم معالجه اختصاصاته (المطلب الثاني).
الإطار القانوني للقطب
في إطار تكميلي داعم لمكافحه الجرائم الماسة بأنظمة المعالجة الاليه للمعطيات انشأ المشرع الجزائري قطب وطني متخصص يعنى بمكافحة الجرائم الماسة بتكنولوجيات الاعلام والاتصال ذلك ان هذا النمط من الإجرام حتّم نوعا من التخصص القضائي لمواجهته (الفرع الاول) كان لزاما عليه توفير جملة من الامكانيات والوسائل الفنية (الفرع الثاني)
الفرع الاول: الاساس التشريعي
ويتمثل الاساس التشريعي للقطب في كل من الامر رقم 21-11 والقرار رقم 389/21 الصادر عن المجلس الدستوري بتاريخ 24/08/2021 المتعلق بمراقبه مدى دستوريته
اذ انشأ القطب بموجب الامر رقم 21-11 المعدل والمتمم للأمر رقم 66-155 المتضمن قانون الاجراءات الجزائية الذي استحدث الباب السادس ضمن الكتاب الاول المتعلق بمباشرة الدعوى العمومية واجراءات التحقيق وأدرج المواد من 211 مكرر 22 الى 211 مكرر 29 ق. ا. ج. إلا أن المشرع الجزائري ألغى المواد القانونية و استبدلها بالمواد 335 إلى 342 من القانون رقم 14/25 المؤرخ في 03 أوت 2025
وباستقرائها نجد ان المشرع لم يقم بتعريف هذا القطب واقتصر فقط على نص على انشائه واظهار وجوده القانوني، وتواجده كجهاز قضائي جزائي في التنظيم القضائي، على مستوى المحكمة مقر مجلس القضاء الجزائر طبقا لنص المادة 335 من قانون الإجراءات الجزائية متناولا هذه الاخرى مفهوم الجرائم الماسة بتكنولوجيات الاعلام والاتصال بعد ان حدد مفهوما كما سبق الإشارة اليه في مقدمة هذا البحث حرصا منه على توسيع دائرة التجريم مره أخرى أمام ما أفرزته أو تفرزه التطورات التي يعرضهاا مجال المعلوماتية.
الفرع الثاني: هيكلته
تطبيقا لمبدأ الاثر الفوري لتطبيق التشريع وبمجرد النص على انشاء القطب تم العمل على تفعيله وتنصيبه خلال شهر سبتمبر 2021، اذ يقع القطب حاليا بمحكمه الدار البيضاء بالتحديد بالطابق الرابع، ويتشكل العنصر البشري فيه من قضاة بالإضافة الى مستخدمي أمانات الضبط كما يضم قطب مجموعه من المصالح
اولا هيكلة البشرية :
يتشكل العنصر البشري للقطب في القضاة ومستخدمي أمانات الضبط الجهات القضائية، بالنسبة للقضاة يضم القطب طبقا للنص 336من ق. ا. ج وكيل الجمهورية، قاضي التحقيق ورئيس القطب. وبذلك يضم القطب جهة الحكم تتمثل فيها رئيس القطب، الجهة المتابعة وهي النيابة التي تتكون حاليا من وكيل الجمهورية رئيسي ووكيل جمهورية مساعد، و جهة التحقيق تتكون حاليا من غرفتي تحقيق.
ثانيا: هيكلة المصالح بالقطب
يتشكل القطب حاليا من المصالح التالية: رئاسة الأمانة، ،مصلحة الطعون، مصلحة الجدولة، مصلحه البريد العام، مصلحه القسم الجزائي، مصلحه تنفيذ العقوبة، امانة غرفتي التحقيق، امانة رئيس القطب ومصلحة الاعلام الالي .
وفي إطار سياسة التكوين المستمر تنظم وزاره العدل دورات تكوينيه متخصصة لفائدة القضاة الممارسين في العديد من المجالات ومن بينها الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الاعلام والاتصال سواء على المستوى الوطني بالمدرسة العليا للقضاء او على المستوى الدولي أو حتى الإقليمي.
وتهدف هذه السياسة الى تخصص القضاء وتأهيلهم وتحسين مستواهم وتجديد معلوماتهم من اجل التحكم الجيد في معالجتها الخاصة انها جرائم تقنيةوترتكب في بيئة رقمية وتتعلق بتقنيات تعرف تطورا مستمرا.فازداد الحد بترابط تقنية المعلوماتبتقنية الاتصال عن بعد والشبكة العنكبوتية
اختصاصات القطب
حدد المشرع الجزائري خمس قواعد عامةمتعلقة بالاختصاص الاقليمي ويظهر بداهةمن تسمية هذا القطب ألا هو اختصاص وطني ولكنه يمكن ان يمتد استثناء في مسائل ذات ابعاد دوليه (الفرع الاول) وكذلك الاختصاص النوعي والذي يكون وفق نوع الجرائم المرتكبة (الفرع الثاني)
الفرع الاول : الاختصاص الاقليمي
من نصوص القانون الإجراءات الجزائية يتبين لنا سمتين مهمتين له، الاولى تتمثل في المدى الوطني الذي يصل له اختصاص القطب الجزائي التكنولوجي (أولا) والثانية هي امكانيه ان يصلها الاختصاص حتى للصعيد الدولي (ثانيا)
أولا: الاختصاص الوطني
يمارس وكيل الجمهورية وقاضي التحقيق ورئيس ذات القطب صلاحيات تمتد لكامل الوطن وكل ما ينجر عن هذه الصلاحيات ويعتبر تمديد الاختصاص قانونا ومنذ البداية ميزة أساسية لعمل هذا القطب تمكنه من بسط نفوذه على كامل اقليم الدولة.
ثانيا: الاختصاص في جرائم الوطني ذات البعد الدولي:
تناولت المادة 15 من القانون رقم 09 04 الاختصاص القضائي ذو الطابع الدولي حيث يمكن للجهات الجزائرية ان تنظر في الجرائم المعلوماتية التي ترتكب خارج الاقليم الوطني اذا كان من قام بها اجنبيا او استهدفت مؤسسات الدول او الدفاع الوطني او مصالح ذات طابع استراتيجي الاقتصاد الوطني للجزائر والقوانين الحديثة تعمل بمبدأ العالمية على صعيد الجنائي ولو بصفه مقيده فيها تعلق بالجرائم المعلوماتية .
وما تجدر الإشارة اليه ان قانون الإجراءات الجزائية لم ينظم الاختصاص الدولي الصريح لهذا القطب .
الفرع الثاني الاختصاص النوعي
حدد القانون رقم14/25الاختصاص النوعي حيث جاء فيه يختص وكيل الجمهورية لدى القطب وقاضي التحقيق لديه ورئيس ذات القطب فيما يتعلق بالجرائم المتصلة بتكنولوجيه الاعلام والاتصال ولكن ما يميز هذا الاختصاص انه لم يكن من نمط واحد كما تطرقت لمساله بالغه الأهمية.
تتعلق بتزامن اختصاص بينه وبين بعض الجهات القضائية اذ منح هذه الاخيرة الافضلية
اولا الاختصاص الحصري
يظهر الاختصاص الحصري نوعيا لهذا القطب التكنولوجي الوطني سواء ما تعلق بالمتابعة والتحقيق والحكم في الجرائم الأتية على سبيل الحصر
_ الجرائم التي تمس امن الدولة او الدفاع الوطني
_ الجرائم وترويج الاخبار الكاذبة بين العامة والتي قد تودي للاضطراب بالأمن والسكينة العامة او استقرار المجتمع
_ نشوه ترويح الانباء الخاطئ بالنظام العام والامن التي تكون ذات طبيعة منظمه وتجاوز الحدود الوطنية
_ جرائم الماسة بالأنظمة الالية لمعالجه معطيات في الادارات والمؤسسات العمومية
_الاتجار بالأشخاص واعضاء البشر والقيام بتهريب المهاجرين
_ جرائم التمييز والخطاب الكراهية
دائما في سياق الاختصاص الحصري يختص القطب الجزائي التكنولوجي بالتحقيق والمتابعة في جرائم تتميز بانها متزايدة التعقيد وكذا في اي جريمة تتعلق بها ولم يترك المشرع هذه الجرائم لتحتار في الآراء الخاصة ان الامر يتعلق باختصاص القضائي وجب الضبط بوضوح فرع بأنها تلك الجرائم التي قد يعتقد فاعلوها ان شركائهم او المتضررون منها او المرتكبة في رقعه جغرافية وسيئة او كان ذات اثار سلبية جسيمة او بالنظر لطابعها المنظم الذي يتجاوز الحدود الوطنية او لأضرارها بالنظام والأمن العموميين .
يلاحظ على ما سبق أن المشرع الجزائري اعتمد على مجموعه المعايير للتحديد هذه الجرائم لمحافظة ما يستدعي البحث في كل مرة بالأخص قضاة النيابة عن توافر أحد هذه المعايير عند القيام الجريمة هل يصنفها بعدها إذا كانت تدخل ضمن وصف جريمة السيبيرانية الأكثر تعقيدا أم لا؟
ويثور التساؤل في نفس السياق حول معايير من معايير السالفة الذكر ويتعلق الأمر بالطابع المنظم للجريمة والذي يكون عابرا لحدود الدولة وكذا الجريمة الماسة بالنظام والأمن العموميين بحيث أن المشرع سبق وان تناولها في جرائم التي سبقتها التي تدخل كذلك في اختصاص قطب والتي حصرها المشرع باعتبار انها بمفهوم المخالفة تعتبر اقل تعقيدا من الجرائم التي تلتها في صياغة النص فلماذا اعاد المشرع سيارتها عند تطرقه لجرائم الاكثر تعقيدا؟
ثانيا : الاختصاص التفضيلي
استقراء نصوص قانون الإجراءات الجزائية التي تناولت اختصاصا نوعيا تفضيليا يتجلى في الجرائم التي يملك فيها القطب الجزائي وطني مكافحه الجرائم التكنولوجيات الاعلامي والاتصال اختصاصا مشتركا مع الجهات الجزائرية أو الإخطار ذات اختصاص موسع سوءا شموله مسائل المتابعات من طرف الجهاد النيابة او التحقيقات في مرحله تحقيق القضائي او فصل الذي يكون من الجهات الحكم.
يختص القطب التكنولوجيا بالمواضيع الناجمة عن تطبيق المواد وو من القانون الاجراءات الجزائية
إذا تعلق الأمر بجرائم المعلوماتية أو تلك الانتهاكات المرتبطة بها
يمكن للقطب الجزائي تكنولوجي ان يختار التصدي للجرائم المتعلقة بهذا الاختصاص المشترك كما يمكن له أن يتبع طريق التخلي حيث لا يرى انه لا تدخل ضمن اختصاصه بها ويتركها بذلك للجهات ذات الاختصاص الموسع.





