القانون الجزائي للاعمال

القطب الجزائي الاقتصادي والمالي

بعد التطور التكنولوجي الهائل الذي عرفته البشرية واعتمادها في ارتكاب الأفعال الجرمية بطريقة احترافية ممنهجة ومنظمة تختلف كل الاختلاف عن الجريمة التقليدية، إذ ترتكب من قبل أصحاب الياقات البيضاء. ومن ثم أصبح الاقتصاد والأمن الوطني مهددمن هيمنة هذه الجماعات الإجرامية، وبغية ذلك تصدى المشرع الجزائري لهذا النوع من الإجرام الاقتصادي، بدءا بمراجعة منظومته التشريعية خاصة ما تعلق بأجهزته القضائية من خلال إنشاء قطب جزائي اقتصادي ومالي(الأمر رقم 20 -04 المعدل والمتمم لأمر رقم 66-155 المتضمن قانون الاجراءات الجزائية، 2020)لمكافحة الجرائم الاقتصادية والمالية الأكثر تعقيدا.

وعلى هذا الأساس فإن الإشكالية التي يطرحها موضوع هذا البحث يمكننا صياغتها ضمن السؤال الموالي، إلى أي مدى وفق المشرع الجزائري في تنظيم القطب الجزائي الاقتصادي والمالي؟

وهي الإشكالية التي تستدعي الإجابة عنها باعتماد المنهج التحليليوذلك من خلال تحليل النصوص القانونية ذات الصلة بموضوع البحث، بالإضافة إلى المنهج الوصفي. وعليه فقد تم تقسيم هذه الدراسة إلى :

التطور التشريعي للهيئات القضائية المختصة بالنظر في الجرائم الاقتصادية في القانون الجزائري.

تعد المجالس الخاصة (الأمر رقم 66-180 المتضمن إنشاء مجالس قضائية خاصة لقمع الجرائم الاقتصادية، 1966) بالنظر في الجرائم الاقتصادية بمثابة أوّل قضائي استثنائي أنشأه المشرع الجزائري لمكافحة والحدّ من هذا النوع من الجرائم الذي تفاقم في الفترة الممتدة مباشرة بعد الاستقلال، وكان مقرها بثلاث ولايات: الجزائر العاصمة، وهران، قسنطينة.

وبعد ذلك قام المشرع الجزائري بموجب الأمر رقم 75-46(الأمر رقم 75-46 المتضمن إنشاء أقساما اقتصادية لدى محكمة الجنايات، 1975) الصادر في 17 جوان 1975 والمتضمن تعديل قانون الإجراءات الجزائية بإلغاء الأمر رقم 66-180 بإحداث أقسام اقتصادية لدى محكمة الجنايات، وحددت الأفعال المجرمة التّي كان ينظر فيها القسم الاقتصادي في محكمة الجنايات وهي محددة في نص المادة 48 2 الملغاة من قانون الإجراءات الجزائية حيث نصت على ما يلي:"تعتبر محكمة الجنايات هي المحكمة المختصة بالفصل في الأفعال الموصوفة قانونا بأنها جنايات، ويجوز أن تقسم محكمة الجنايات إلى قسمين قسم عادي وقسم اقتصادي وإنّ قرار من وزير العدل حامل الأختام يمدد قائمة الأقسام الاقتصادية والاختصاص الإقليمي لكل واحدة منها". وقد حدد المشرعالجزائري الاختصاص النوعي للقسم الاقتصادي في الفقرة الأخيرة من نص المادة 248 السّابقة الذكر، والتّي تنص على ما يلي: "للقسم الاقتصادي في المحكمة الجنائية الاختصاص المانع للفصل في الجرائم المنصوص عليها في المواد 119 فقرة 2 و3، 120، 158، 161، 197، 216، 382 مكرر 395 إلى 401، 406، 411، 418، 419، 422، 423، 424 إلى 427، 433 من قانون العقوبات وكذلك في الجنايات والجنح المرتبطة بها".

وحتى سنة 1990 كانت هذه الجرائم تحال إلى القسم الاقتصادي من قبل غرفة الاتهام في ظرف 15 يوما من تاريخ إحالة القضية إليها من قبل جهة التحقيق، وقرار غرفة الاتهام الصادر غير قابل للطعن فيه بالنقض أمام غرفة الاتهام بالمحكمة العليا وهذا ما نصت عليه المادة 327 فقرة 11 من قانون إ.ج.ج الملغاة.

ومنذ إلغاء الأقسام الاقتصادية بمقتضى القانون رقم 90- 24(القانون رقم 90-24 المعدل والمتمم للأمر رقم 66- 155 المتضمن الإجراءات الجزائية، 1990) أصبحت المحاكم العادية في الجزائر مختصة بالنظر في الجرائم التّي تمس بالاقتصاد الوطني بما فيها الجرائم التّي تمس أمن الدولة(بن قلة، 1996، الصفحات 136-142).

وبمفهوم آخر، ومنذ إلغاء الأقسام الاقتصادية أصبحت جميع الجرائم الاقتصادية تخضع إلى نفس الجهات القضائية التي تخضع لها الجرائم العادية، إذ ظلت الجنح تخضع لأقسام الجنح بالمحاكم بينما أصبحت الجنايات تخضع لمحاكم الجنايات لدى المجالس القضائية أي لأقسامها العادية(صدقي المساعدة، 2010، الصفحات 298-299). وينبغي الإشارة إلى أن الجرائم الاقتصادية التي تحال إلى محكمة الجنايات قليلة إذا ما قورنت بحجم الجرائم التي تحال إلى محكمة الجنح، وهذا نظرا لتجنيح أغلب هذه الجرائم بالقانون رقم 06-01، ضف إلى ذلك ومع تعديل قانون الإجراءات الجزائية بموجب القانون رقم 04-14 المؤرخ في 10نوفمبر 2004 بإنشاء أقطاب جزائية قضائية متخصصة، حيث أجاز المشرع تمديد الاختصاص المحلي للمحكمة وكذا وكيل الجمهورية وقاضي التحقيق(المرسوم التنفيذي رقم 06-348 المتعلق بتمديد الإختصاص المحلي لبعض المحاكم ووكلاء الجمهورية وقضاة التحقيق المعدل والمتمم، 2006)، وذلك في نوع معين من الجرائم التي حددها المشرع على سبيل الحصر في المادتين 37 فقرة 2 و40 فقرة2 والمادة 329 من قانون الإجراءات الجزائية، والمتمثلة فيجرائم المخدرات الجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية،والجرائم الماسة بأنظمة المعالجة الآلية للمعطيات، وجرائم تبييض الأموال والإرهاب، والجرائم المتعلقة بالصرف. كما أضحت جرائم الفساد ضمن الاختصاص النوعي للأقطاب الجزائية المتخصصة حسب ما جاء في نص المادة 24 مكرر1 المضافة للقانون رقم 06-01 بموجب الأمر رقم 10-05 والتي نصت:"تخضع الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون لاختصاص الجهات القضائية ذات الاختصاص الموسع وفقا لأحكام قانون الإجراءات الجزائية

وإلى جانب الأقطاب الجزائية ذات الاختصاص الموسع أنشأ المشرع الجزائري كما أشرنا سابقا القطب الجزائي الاقتصادي والمالي المختص بالنظر في الجرائم الاقتصادية والمالية الأكثر تعقيدا.

ماهية القطب الجزائي الاقتصادي والمالي

سنحاول من خلال هذا المبحث إدراج تعريف للقطب الجزائي الاقتصادي والمالي )المطلب الأول( ونطاق اختصاص هذه الهيئة القضائية المستحدثة )المطلب الثاني).

تعريف القطب الجزائي الاقتصادي والمالي

قبل التطرق إلى مفهوم القطب الجزائي الاقتصادي والمالي علينا التطرق أولا إلى مفهوم الجريمة الاقتصادية والمالية الأكثر تعقيدا، وذلك من خلال تقسيم هذا المطلب إلى الفرعين المواليين.

الفرع الأول: مفهوم الجريمة الاقتصادية والمالية الأكثر تعقيدا

ما تجدر الإشارة إليه بداية، وعلى غير عادته فإن المشرع الجزائري قد عرف الجريمة الاقتصادية والمالية الأكثر تعقيدا بموجب المادة318فقرة 2على أنها: "تعتبر جريمة أكثر تعقيدا بالنظر إلى تعدد الفاعلين أو الشركاء المتضررين أو بسبب اتساع الرقعة الجغرافية لمكان ارتكاب الجريمة أو جسامة الأضرار المترتبة عليها أو لصبغتها المنظمة أو العابرة للحدود الوطنية أو لاستعمال تكنولوجيا الإعلام والاتصال في ارتكابها، تتطلب اللجوء إلى وسائل تحر خاصة أو خبرة فنية متخصصة أو تعاون قضائي دولي".

ومن خلال التعريف الذي جاء به المشرع في تعريفه للجريمة الاقتصادية والمالية يمكن أننعرف القطب الجزائي الاقتصادي والمالي من خلال الفرع التالي.

الفرع الثاني: تعريف القطب الجزائي الاقتصادي والمالي

استنادا إلى ما سبق وإلى نص المادة 315من قانون الإجراءات الجزائية رقم25-14التي تنص على أنه: "ينشأ على مستوى محكمة مقر مجلس قضاء الجزائر قطب جزائي وطني متخصص لمكافحة الجريمة الاقتصادية والمالية"، فإنه يعد جهة قضائية جزائية تختص بالنظر في الجرائم الاقتصادية والمالية الأكثر تعقيدا التي تتطلب وسائل تحر خاصة أو خبرة فنية متخصصة أو تعاون قضائي دولي، تنشأ على مستوى محكمة مقر مجلس قضاء الجزائر.

وعليه فإنه يعد جهة قضائية متخصصة وليست خاصة قائمة بذاتها، تنشط بإجراءات قانونية خاصة معينة، تمارس اختصاصات مشتركة مع الأقطاب الجزائية المتخصصة فيما يخص مكافحة الجرائم المالية الخطيرة التي تعتمد خاصة على الوسائط المستحدثة لتكنولوجيات الإعلام والاتصال في ارتكابها.

نطاق اختصاص القطب الجزائي الاقتصادي والمالي

ما يميز القطب الجزائي الاقتصادي والمالي عن الجهات القضائية العادية هو اختصاصهالإقليمي الموسع )الفرع الأول( واختصاصه النوعي المنحصر في جملة من الجرائم المعينة بموجب قانون الإجراءات الجزائية الفرع الثاني(.

الفرع الأول: الاختصاص الإقليمي للقطب الجزائي الاقتصادي والمالي

إن قواعد الاختصاص المحلي هي القواعد التي تحدد الدعاوى التي تدخل ضمن الاختصاص الإقليمي للمحاكم بالنظر إلى محلها ومجالها، يتحدد الاختصاص المحلي بمكان وقوع الجريمة وبمحل إقامة المتهم وبمكان القبض. إلا أن المشرع الجزائري قد أعطى صلاحيات واسعة للقطب من حيث المتابعة والتحري والتحقق بحيث يمتد عمله عبر كامل الإقليم الوطني، وقد عالجت ذلك المادة 317فنصت على أنه: " يمارس وكيل الجمهورية لدى القطب الجزائي الاقتصادي والمالي وكذا قاضي التحقيق ذات القطب اختصاصا مشتركا مع الاختصاص الناتج عن تطبيق المواد58 و70 و468 من قانون الإجراءات الجزائية".

الفرع الثاني: الاختصاص النوعي للقطب الجزائي الاقتصادي والمالي

إن معنى الاختصاص النوعي هو سلطة جهة قضائية في الفصل في دعاوى معينة دون سواها، أي أن الفصل في موضوع الاختصاص النوعي يعود لموضوع طبيعة النزاع، وما يمكن الإشارة إليه هو أن قواعد الاختصاص النوعي هي من النظام العام. وهذا بحسب نص المادة 36 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية التي تنص على أنه: "عدم الاختصاص النوعي هو من النظام العام تقضي به الجهة القضائية تلقائيا في مرحلة كانت عليها الدعوى".

وعند الإشارة إلى المنازعات التي تدخل ضمن الاختصاص القطب الجزائي الاقتصادي والمالي نجد أن أغلبيتها ذات طبيعة حساسة، وهذه الجرائم أشارت إليها المادة 317 فقرة 2 من قانون الإجراءات الجزائية:

أولا: جريمة الإهمال الواضح المتسبب في سرقة أو اختلاس أو تلف أو ضياع أموال عمومية أو خاصة أو أشياء تقوم مقامها أو وثائق أو سندات أو عقود أو أموال منقولة وضعت تحت يده بحكم وظيفته أو بسببها والمعاقب عليه بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبغرامة من 50.000 دينار جزائري إلى 200.000 دينار جزائري(المادة 199 مكرر من قانون العقوبات).

ثانيا: جريمة تبيض الأموال: عرف المشرع الجزائري تبييض الأموال لأول مرة عام2004 بموجب التعديل الذي أورده على منهج قانون العقوبات(القانون رقم 04-15 يعدل ويتمم الأمر رقم 66-156 والمتضمن قانون العقوبات، 2004) بإدراج نص المادة 389 مكرر كما عرف نفس التعريف عام 2005 بموجب القانون رقم 05-01 الذي طرأ عليه تعديل عام 2012 حاملا في طياته تعديلا وتتميما للتعريف القانوني لتبييض الأموال، فالمادة 2 من الأمر رقم 12-02(الأمر رقم 12-02 والمتعلق بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتهما، 2012) تعد تبييض الأموال كل من:

أ)-تحويل الأموال أو نقلها مع علم الفاعل بأنها عائدات مباشرة أو غير مباشرة من جريمة بغرض إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع لتلك الأموال أو مساعدة أي شخص متورط في ارتكاب الجريمة الأصلية التي تحصلت منها هذه الأموال على الإفلات من الآثار القانونية لأفعاله.

ب)-إخفاء أو تمويه الطبيعة الحقيقية للأموال أو مصدرها أو مكانها أو كيفية التصرف فيها أو حركتها أو الحقوق المتعلقة بها، مع علم الفاعل بأنها عائدات إجرامية.

ج)-اكتساب الأموال وحيازتها أو استخدامها مع علم الشخص القائم بذلك وقت تلقيها بأنها تشكل عائدات إجرامية.

د)-المشاركة في ارتكاب أي من الجرائم المقررة وفقا لهذه المادة أو التواطؤ أو التآمر على ارتكابها والمساعدة على التحريض على ذلك وتسهيله وإسداء المشورة بشأنه. .

ثالثا: جرائم الفساد:نصت الماد 317 فقرة 3من قانون الإجراءات الجزائية في فقرتها الثانية على اعتبار جرائم الفساد من ضمن الجرائم التي تدخل في الاختصاص المشترك بين القطب الجزائي الاقتصادي والمالي والجهات القضائية ذات الاختصاص القضائي الموسع المنصوص عليها في القانون رقم 06-01 المتعلق بمكافحة الفساد والذي يرجع أساسا إلى الجهات القضائية بموجب نص المادة 24 مكرر 1 من قانون الفساد، وبناء على قانون الإجراءات الجزائية فقد منح القطب الجزائي والاقتصادي والمالي سلطة النظر والمتابعة في مثل هذا النوع من الجرائم.

رابعا: جرائم مخالفة التشريع والتنظيم الخاصين بالصرف وحركة رؤوس الأموال من وإلى الخارج: تعد جرائم الصرف من قبل الجرائم الاقتصادية التي يهدف المشرع من تجريمها إلى حماية المصلحة الاقتصادية العامة في ضمان إنجاح سياسة اقتصاد السوق تؤدي ثمارها بعد وقت محدد سواء كان هذا الوقت طويل أم قصير مثل تحقيق الاكتفاء الذاتي أو تجنب الخضوع لسيطرة دولة أجنبية. فإذا بحثنا عن معنى جريمة الصرف فإننا لن نخرج عن التعريف التالي: "أنها كل مخالفة للتشريع والتنظيم الخاصين بالصرف وحركة رؤوس الأموال من وإلى الخارج" على اعتبار أن قواعد الصرف والنقد وحركة رؤوس الأموال من وإلى داخل الوطن هي مصالح اقتصادية يحميها القانون، وإذا بحثنا أيضا عن هذه المخالفات، سوف لن نخرج أيضا عن تلك الواردة في الأمر رقم 96-22المعدل والمتمم(الأمر قم 96 -22 المتعلق بقمع مخالفة التشريع والتنظيم الخاصين بالصرف وحركة رؤوس الأموال من وإلى الخارج المعدل و المتمم، 1996).

خامسا: جرائم التهريب: ذكرت الفقرة الرابعة من المادة 317عددا من المواد من الأمر رقم 05-06 المتعلق بمكافحة التهريب التي تضمن جملة من الجرائم والتي تدخل ضمن الاختصاص النوعي للقطب الجزائي الاقتصادي والمالي، وهي كالآتي :

أ)-المادة 11: تتضمن هذه المادة جريمة حيازة مخزن معد للتهريب أو وسيلة نقل مهيئة خصيصا لغرض التهريب داخل النطاق الجمركي.

ب)-المادة 12: تعاقب على كل أفعال التهريب التي ترتكب باستعمال أي وسيلة نقل.

ج)-المادة 14: جاءت هذه المادة في جملة وحيدة متضمنة المعاقبة على فعل تهريب الأسلحة بالسجن المؤبد.

د)-المادة 15: جرمت كل أفعال التهريب التي تكون على درجة كبيرة من الخطورة والتي من شأنها أن تهدد الأمن الوطني أو الاقتصاد الوطني أو الصحة العمومية بالسجن المؤبد.

الإجراءات المتبعة أمام القطب الجزائي الاقتصادي والمالي

نص قانون الإجراءات الجزائية في مواده من المادة 319 إلى المادة 334على كيفية سير القطب الجزائي الاقتصادي والمالي والكيفية التي يخطر بها، إضافة إلى إمكانية اللجوء إلى أساليب التحري الخاصة أو الخبرة الفنية أو التعاون الدولي في حالة ما إذا تعدت الجريمة الحدود الوطنية.

وعليه سيتم التعرض إلى الكيفية التي يخطر بها القطب الاقتصادي والمالي (المطلب الأول) ثم التطرق إلى الآليات التي خولها المشرع الجزائري للقطب الاقتصادي والمالي في البحث والتحري عن الجريمة المختص بها (المطلب الثاني).

إخطار القطب الجزائي الاقتصادي والمالي

يلعب القطب الاقتصادي والمالي دورا كبيرا في مكافحة الجريمة نتيجة تعقيداتها واتصالها في بعض الأحيان بجهات قضائية مختلفة، مما قد يتسبب في تنازع قضائي بين جهات قضائية مختلفة سواء كان هذا التنازع إيجابي أو سلبي، حيث استحدث المشرع هذه الآلية الجديدة ومنح لها اختصاصا وطنيا مما يؤدي إلى تجنب مثل هذه المنازعات، ومن أجل التعرف على كيفية اتصال القطب الاقتصادي والمالي بملف الدعوى سيتم دراسة الإحالة ملف الدعوى أمام محكمة القطب الجزائي الموسع كأصل عام (أولا)، ثم ننتقل إلى دراسة كيفية إحالة ملف الدعوى أمام القطب الجزائي الاقتصادي والمالي (ثانيا).

أولا: إحالة ملف الدعوى أمام محكمة القطب الجزائي الموسع

نظم قانون الإجراءات الجزائية كيفيةاتصال القطب الجزائي الاقتصادي والمالي بالقضايا التي تدخل في اختصاصه، فنص على أنه: ''عندما يتعلق الأمر بإحدى الجرائم المنصوص عليها في الفقرة 02 من المادة 37، يخبر ضباط الشرطة القضائية فورا وكيل الجمهورية لدى المحكمة المختصة إقليميا، ويرسلون له الأصل نسختين من إجراءات التحقيق، ويحيل هذا الأخير فورا النسخة الثانية إلى وكيل الجمهورية لدى الجهة القضائية ذات الاختصاص الإقليمي''.

وعليه فإنه في حالة ارتكاب جريمة من الجرائم المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة 37 من قانون الإجراءات الجزائية يقوم ضابط الشرطة القضائية بإخطار وكيل الجمهورية لدى المحكمة المختصة إقليميا، بحيث يتسلم لهذا الأخير ملف الدعوى الأصل بالإضافة إلى نسختين منه، حيث يقوم بتسليم نسخة من إجراءات الدعوى إلى وكيل الجمهورية لدى الجهة القضائية ذات الاختصاص الإقليمي الموسع.

ووفقا لنص المادة 40 مكرر 02 من قانون الإجراءات الجزائية، فإن وكيل الجمهورية لدى المحكمة ذات الاختصاص الموسع حق المطالبة بعد أخذ رأي النائب العام بإجراءات الدعوى فورا، وبذلك إذا ما تبين له أنها تدخل ضمن اختصاص القطب الجزائي، وعليه فإن ضباط الشرطة القضائية العاملون بدائرة اختصاص هذه المحكمة يتلقون مباشرة التعليمات الواجبة منه، وفي حالة فتح تحقيق قضائي يصدر قاضي التحقيق أمر بالتخلي عن الإجراءات لفائدة قاضي التحقيق لدى المحكمة المختصة (محكمة القطب الجزائي)،وبالتالي فإن ضباط الشرطة القضائية يتلقون الأوامر مباشرة من هذا الأخير.

ثانيا: إحالة ملف الدعوى أمام محكمة القطب الجزائي الاقتصادي والمالي

أما بالنسبة لكيفية إحالة وإخطار القطب الجزائي والمالي بالدعوى، إضافة إلى ما سبق عرضه أعلاه فإن لوكيل الجمهورية لدى القطب الجزائي الاقتصادي والمالي وفي حالة ارتكاب جريمة من الجرائم المنصوص عليها في الماد 31 من قانون الإجراءات الجزائية أن يطالب بملف الدعوى في حال إذا اعتبر أن الجريمة تدخل ضمن اختصاصه، وتبعا لذلك يمكن له أن يتقدم بهذا الطلب خلال مرحلة التحريات الأولية أو مرحلة التحقيق، كما يقوم وكلاء الجمهورية المختصين إقليميا إرسال نسخ من التقارير الإخبارية وإجراءات التحقيق المنجزة من قبل ضباط الشرطة القضائية إلى وكيل الجمهورية لدى القطب الجزائي الاقتصادي والمالي، حيث يمكن لوكلاء الجمهورية المختصين إقليميا إصدار مقرر بالتخلي عن الدعوى لصالح وكيل الجمهورية لدى القطب الاقتصادي

وفي حالة فتح تحقيق قضائي تحال التماسات وكيل الجمهورية لدى القطب الجزائي الاقتصادي والمالي إلى قاضي التحقيق بمحكمة الاختصاص الموسع، حيث يصدر هذا الأخير كذلك مقررا بالتخلي لصالح قاضي التحقيق لدى القطب الاقتصادي والمالي، وبالتالي يؤول الاختصاص لقاضي لدى القطب الاقتصادي والمالي، حيث يمكن له إنابة ضباط الشرطة القضائية التي تقوم بتنفيذ تعليماته وأوام

أما في حالة إذا ما ظهرت عناصر جديدة تفيد بأن الدعوى تدخل ضمن اختصاص القطب الاقتصادي والمالي فإن لوكيل الجمهورية لدى محكمة الاختصاص الموسع أن يخطر مباشرة وكيل الجمهورية لدى القطب الاقتصادي والمالي، حيث يتخلى عن الدعوى لصالح هذا الأخير، حيث يتولى وكيل الجمهورية وقاضي التحقيق لدى القطب الاقتصادي والمالي مهمة إدارة سلطات ومراقبة أعمال الضبطية القضائية بغض النظر عن مكان تواجد المحكمة التي يعملون في دائرة اختصاصها. وفي حالة تخلي هذا الأخير عن الدعوى تطبق الإجراءات العامة المتعلقة بتحريك الدعوى العمومية وكذا إجراءات التحقيق والمحاكمة.

سابقسابقمواليموالي
استقبالاستقبالاطبعاطبعتم إنجازه بواسطة سيناري (نافذة جديدة)