القانون الجزائي للاعمال

جريمة الرشوة

تعد جريمة الرشوة من بين أهم جرائم الفساد التي تم تجريمها ، وذلك باعتبارها من أشد الجرائم خطورة على المصلحة العامة وحسن سير العدالة فالدول عندما تعهد لموظفيها القيام بأعمالهم الموكلة لهم فهي تتوقع بأن كل موظف يقوم بأداء الأعمال الموكلة له بإتباع جميع القواعد المحددة والتي يتم من خلالها أو الهدف منها هو تحقيق المصلحة العامة، وبالتالي خلق المساواة بين جميع الناس دون تمييز أو محسوبية. أما بالحديث عن الموظف الذي ينحرف عن تأدية مهامه رغبة في تحقيق منافعه الشخصية فهو بالتالي يخرج من مقتضى هذه القواعد التي يتعين عليه الالتزام بها، وبالتالي يجعل من المنصب الذي يشغله عبارة عن سلعة يتم المتاجرة بها، وتزداد خطورة هذه الجريمة في الوقت الحاضر نظرا لاتساع نطاق الخدمات التي تؤديها الدولة للمواطنين عن طريق موظفيها.

للوقوف على ماهية الرشوة سوف نتطرق لتعريفها وأركانها بإيجاز وذلك على النحو التالي:

أولا- تعريف الرشوة

1-التعريف الشرعي:

البحث عن معنى الرشوة يقودنا إلى القرآن الكريم والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، وكلاهما ينص على تجريمها، أم جزاء مرتكبها فإنه جزاء دنيوي يخضع لولي الأمر الذي يقرره بما يراعي ظروف الزمان والمكان الذي حدث فيه وبما يحقق مصلحة المجتمع بوصفها من جرائم التعزير ذلك أن جرائم التعزير هي كل جريمة ليس فيها عقوبة مقدرة شرعا.

قال تعالى ﴿يا أيها الذين أمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾[1]

وقوله عز وجل ﴿ لا تأكلوا أموالكم ـ بينكم ـ بالباطل و تدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم لا تعلمون﴾[2]

فتعرف الرشوة فقها بأنها اتفاق بين شخص" مستفيد" وموظف أو من في حكمه على جعل أو فائدة مقابل أداء عمل أو الامتناع عن عمل يدخل في وظيفة المرتشي أو مأموريته[3]

كما عرفت بأنها إتجار الموظف العام في أعما وظيفته، وذلك بتقاضيه أو قبوله أو طلبه مقابلا قيامه بعمل من أعمال وظيفته، أو امتناعه عنه.

نستخلص من التعريفات السابقة أن الرشوة هي إحدى جرائم الوظيفة العامة وجوهرها هو الإخلال ببعض الواجبات التي يلتزم بها من يشغل هذه الوظيفة.

2- التعريف القانوني:

لم يعرف المشرع الرشوة بموجب قانون الوقاية من الفساد ومكافحته و اكتفى بتبيان أركان الجريمة وهذا بنصوص المواد 25-28-28-40 منه، وعند البحث في تعريفها التشريعي فحسبنا إيراد نص المادة (25) من القانون 06_01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته والتي جاء فيها "يعاقب بالحبس من سنتين(2) إلى عشر سنوات (10) وبغرامة 200.000دج على 1.000.000دج:

1- كل من وعد موظفا عموميا بمزية غير مستحقة أو عرضها عليه أو منحه إياها، بشكل مباشر أو غير مباشر، سواء كان ذلك لصالح الموظف نفسه أو لصالح شخص أو كيان آخر لكي يقوم بأداء عمل أو الامتناع عن أداء عمل من واجبه".

2- كل موظف عمومي طلب أو قبل، بشكل مباشر أو غير مباشر، مزية غير مستحقة، سواء لنفسه أو لصالح شخص آخر أو كيان آخر، لأداء عمل أو الامتناع عن أداء عمل من واجباته".

فالرشوة بمعناها القانوني العام هي اتفاق بين شخصين يعرض بمناسبتها احدهما فعلا أو فائدة فيقبلها الأخر لأداء عمل والامتناع عن عمل يدخل في وظيفته أو مأموريته، وهي تعني اتجار الموظف بأعمال الوظيفة أو الخدمة، التي يعهد إليها هبا للصالح العام، وذلك لتحقيق مصلحة خاصة له، ومن ثم فالرشوة تتمثل في انحراف الموظف في أداءه لعمل من أعمال وظيفته أو الامتناع عن أداء هذا العمل.

فهي على هذا النحو علاقة عطاء وأخذ متبادل بين الموظف وصاحب المصلحة وعلى ذلك تقتضي الصورة الأصلية للرشوة وجود طرفين أساسيين هما: الراشي والمرتشي وقد يكون هناك طرف ثالث وهو الوسيط (الرائش).

ثانيا- أركان جريمة الرشوة

وهنا سنتناول أركان الجريمة في صورتيها الايجابية والسلبية.

الصورة الإيجابية:

يستفاد من المادة 25-1 من قانون مكافحة الفساد أن الرشوة الإيجابية تقتضي توافر ركنين:

1- الركن المادي: و يتحقق بوعد الموظف العمومي بمزية غير مستحقة أو عرضها عليه أو منحه إياها مقابل قيامه بأداء عمل من أعمال وظيفته أو الامتناع عنه، ويشمل هذا الركن على ثلاثة عناصر أساسية: السلوك المادي والمستفيد من المزية وغرض الراشي.

2-الركن المعنوي: يتمثل الركن المعنوي في جريمة الرشوة الايجابية في اتجاه إرادة الجاني إلى الفعل والنتيجة معا لعلم بجميع العناصر القانونية للجريمة فعرض الراشي هو أساسا الركن المعنوي الذي تتجه إرادته لتحقيقه ويجب أن يعلم بأنه يقوم بفعل الوعد أو العرض أو المنح على الموظف العمومي من أجل تحقيق ما يريده. بالإضافة إلى القصد العام المتمثل في العلم والإرادة ، فنية الراشي هي أساس الركن المعنوي للجريمة، كونها جريمة مستقلة بذاتها عن الرشوة السلبية .[4]

الصورة السلبية:

تناول المشرع بالتجريم رشوة الموظفين العموميين في صورتها السلبية بمقتضى المادة25 الفقرة 2من القانون 06-01، و تعني هذه الصورة أن كل موظف عمومي طلب أو قبل، بشكل مباشر أو غير مباشر،مزية غير مستحقة،سواء لنفسه أو لصالح شخص أخر أو كيان أخر، للأداء عمل أو الامتناع عن أداء عمل من واجباته .

وتتحقق بتوافر ثلاث أركان وهي: (صفة الجاني)،(الركن المادي)، (الركن المعنوي).

1-الركن المفترض(صفة الجاني): تعتبر جريمة الرشوة من جرائم ذوي الصفة التي يشترط القانون بالنسبة لفاعلها أن تتوفر فيه صفة معينة والصفة المتطلبة هنا هي كون المرتشي موظفا عاما أو فيحكمه لكن ليس أي موظف عام يمكن أن يكون فاعلا لهذه الجريمة بل يجب أن يكون مختصا بالعمل الذي تلقى المقابل من أجل القيام به. وما تنبغي الإشارة إليه الرجوع إلى ما قيل عن جريمة الاختلاس .

2-الركن المادي:يقوم هذا الركن على ثلاثة عناصر وهي:

أ: السلوك الاجرامي: و يتحقق بطلب أو قبول الموظف العام أية مزية غير مستحقة لنفسه أو لغيره نظير الاتجار بأعمال وظيفته.

 الطلب:يتمثل في تعبير عن إرادة الموظف بطلب مقابل لأداء وظيفته أو خدمته، ويكفي الطلب لقيام الجريمة متى توافرت باقي أركانها.

 القبول:وهو تعبير عن إرادة متجهة إلى تلقي المقابل في المستقبل نظير القيام بالعمل الوظيفي،ويصدر القبول عن الموظف،ويفترض عرضا أو إيجابا متمثلا فيعرض صاحب الحاجة وعدا بالرشوة إذا ما أتم الموظف العمل أو الامتناع المطلوب منه.

 الشروع في الرشوة: لا يعقل تصور الشروع في الرشوة في صورة القبول بالنظر إلى صور النشاط الإجرامي في هذه الجريمة،فإما أن تكون الجريمة تامة وإما أن تكون في المرحلة التحضيرية التي لا عقاب عليها ،ولا يتحقق الشروع إلا في صورة الطلب كما لو صد عن الموظف طلب وحال دون وصوله إلى صاحب الحاجة بسبب لا دخل لإرادة الموظف فيه فالرشوة جريمة تامة يشترط فيها الايجاب والقبول .[5]

ب:محل النشاط الإجرامي:ونعني بهذا العنصر الموضوع الذي تنصب عليه الجريمة، بمعنى المقابل الذي يتلقاه الموظف العمومي نظير القيام بعمل أو الامتناع عن القيام بعمل،ويتمثل المقابل حسب المادة 25-02 من قانون الوقاية من الفساد في "المزية غير المستحقة"

ج: الغرض من الرشوة:يتمثل في النزول عند رغبة الراشي وفق الشروط التالية:

 أداء المرتشي لعمل ايجابي أو الامتناع عنه.

 أن يكون العمل من أعمال الموظف المرتشي.

3-الركن المعنوي: يتحقق الركن المعنوي بتوافر القصد الجنائي لان جريمة الرشوة من الجرائم العمدية،و هو قصد عام يتكون من العلم والإرادة،علم الموظف العام أو من في حكمه بان هناك فائدة قدمت له مع علمه بان تقديم تلك الفائدة هي في مقابل قيامه بعمل أو الامتناع أو مخالفة لواجبات وظيفته،وإرادته أن يحصل عليها.

نستخلص من التعريفات السابقة أن الرشوة هي إحدى جرائم الوظيفة العامة وجوهرها هو الإخلال ببعض الواجبات التي يلتزم بها من يشغل هذه الوظيفة.

ثالثا-العقوبات المقررة لجريمة الرشوة :

وفقا للمشرع تطبق على الرشوة في مختلف صورها العقوبات التالية:

العقوبات المقررة للشخص الطبيعي:

وهي كالآتي:

أ-العقوبات الأصلية: يعاقب قانون مكافحة الفساد على جرائم الرشوة بالعقوبات التالية:

-حسب نص المادة 25 من ق الفساد يعاقب على الرشوة السلبية والإيجابية:بالحبس من سنتين إلى 10 سنوات وغرامة من 200.000 دج إلى 1.000.000 دج

- رشوة الموظفين العموميين الأجانب و موظفي المنظمات الدولية العمومية، فتعاقب عليها المادة 28 بنفس العقوبات المقررة لرشوة الموظفين العموميين في المادة 25

- تلقي الهدايا: تعاقب المادة 38 على هذه الجريمة بالحبس من ستة (6) أشهر إلى سنتين (2) و بغرامة من 50.000 إلى 200.000 دج.

 تشدد عقوبة الرشوة في مختلف صورها لتصبح من عشر (10) سنوات إلى عشرين (20) سنة حسب المادة 48 من نفس القانون إذا كان الجاني قاضيا، أو موظفا يمارس وظيفة عليا في الدولة، أو ضابطا عموميا أو ضابطا أو عون شرطة قضائية أو ممن يمارس بعض صلاحيات الشرطة القضائية أو موظف أمانة ضبط أو عضو في الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته.

 يستفيد الجاني بالإعفاء من العقوبات أو بتخفيضها حسب الظروف ووفق الشروط المنصوص عليها في المادة 49.

ب-العقوبات التكميلية: حسب المادة 50 من ق الفساد، تطبق على جريمة الرشوة في مختلف صورها العقوبات التكميلية المنصوص عليها في قانون العقوباتجوازيا، وتتمثل هذه العقوبات في: تحديد الإقامة، المنع من الإقامة، الحرمان من مباشرة بعض الحقوق (الحقوق الوطنية)، المصادرة الجزائية للأموال، حل الشخص الاعتباري، نشر الحكم، وهي العقوبات التي سبق بيانها في المبحث الخاص بالاختلاس.

ج-مصادرة العائدات والأموال غير المشروعة: بنص المادة 51 فقرة 2 تصادر العائدات والأموال غير المشروعة الناتجة عن ارتكاب الرشوة في مختلف صورها، مع مراعاة حالات استرجاع الأرصدة أو حقوق الغير حسن النية وهي عقوبة إلزامية.

د-الرد: ترد قيمة ما حصل عليه المحكوم عليه من منفعة أو ربح جراء الرشوة في مختلف صورها.

ه-إبطال العقود والصفقات والبراءات والامتيازات: أجازت المادة 55 من قانون مكافحة الفساد للجهة القضائية التي تبت في الدعوى التصريح ببطلان كل عقد أو صفقة أو براءة أو امتياز أو ترخيص متحصل عليه من ارتكاب إحدى جرائم الفساد وانعدام آثاره .

و حسب نص المادة 52 من ق الفساد: تطبق على الشروع في جريمة الرشوة في مختلف صورها وعلى المشاركة في ارتكابها أحكام قانون العقوبات.

العقوبات المطبقة على الشخص المعنوي:

يسأل الشخص المعنوي عن جرائم الرشوة بمختلف صورها وتطبق عليه الأحكام المقررة للشخص المعنوي في قانون العقوبات سواء تعلق الأمر بالهيئات المعنية بالمساءلة الجزائية وشروطها أو تعلق الأمر بالعقوبات المقررة للشخص المعنوي (المادة 53 من قانون الفساد)، وهي: غرامة تساوي من مرة (1) إلى 5 مرات الحد الأقصى للغرامة المقررة قانونا للجريمة عندما يرتكبها الشخص الطبيعي، فضلا عن باقي العقوبات.

  1. 8

    سورة المائدة، الآية 29 .

  2. 9

    سورة البقرة، الآية 188 .

  3. 10

    محمود مصطفى القللي، في المسؤولية الجنائية، مطبعة فؤاد الأولى، القاهرة، 1984،ص114.

  4. 11

    جريمة الرشوة الإيجابية وأركانها،مقال منشور على الرابط:

    HTTP://DROIT-ALGERIE-DZ.BLOGSPOT.COM/2018 أطلع عليه يوم 11 فبراير2026 على الساعة 16 H 00

  5. 12

    عادل مستاري، جريمة الرشوة السلبية (الموظف العام) في ظل قانون 06 -01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته ،مجلة الاجتهاد القضائي ،العدد الخامس،سبتمبر 2009 ،ص171

سابقسابقمواليموالي
استقبالاستقبالاطبعاطبعتم إنجازه بواسطة سيناري (نافذة جديدة)