جريمة المضاربة غير المشروعة
أقر المشرع الجزائري بصدور الأمر رقم 03-03 بإزالة العقاب الجنائي عن الممارسات المقيدة إذ تنص المادة 57من الأمر 03-03[1] يعاقب بغرامة قدرها مليوني دينار جزائري 2.000.000 كل شخص طبيعي ساهم شخصيا بصفة احتيالية في تنظيم الممارسات المقيدة للمنافسة و في تنفيذها كما هي محددة في الأمر .
مما يؤكد تخلي المشرع الجزائري عن الأخذ بالعقاب الجزائي في مادة المنافسة. لكن بالرغم من حرص المشرع في قانون المنافسة الصادر بموجب الأمر رقم 03-03 المعدل والمتمم على حصر اختصاص البث في المخالفات المقيدة للمنافسة في مجلس المنافسة[2]
إلا أنه في المقابل تختص المحاكم الجزائية بالنظر في الممارسات ويتعلق الأمر بالمضاربة غير المشروعة كالأعمال والاتفاقات غير المشروعة تحت طائلة قانون العقوبات.
تعريف المضاربة غير المشروعة
وما تجدر الإشارة إليه بداية تعريف المضاربة غير المشروعة." spéculation illicité" بأنها كل سلوك ينطوي على استخدام وسائل احتيالية بهدف التلاعب بالأسعار أو بالعرض أو بالطلب على سلع معينة يقرر المشرع حمايتها من هذه التأثيرات المفتعلة [3]وهذا ما نص عليه المشرع الجزائري في المادة 172 من قانون العقوبات الملغاة على تجريم استخدام الوسائل الاحتيالية للمضاربة على خفض أو رفع أسعار السلع أو البضائع أو الأوراق المالية العمومية أو الخاصة أو الشروع في ذلك. إلا أن الملاحظ في السنوات الأخيرة أن هذه الظاهرة قد عرفت تفاقما لاسيما مع انتشار وباء كورونا حيث شهدت السوق الجزائرية تذبذبا واضحا و ندرة في كثير من السلع و المواد الاستهلاكية و كذلك ارتفاعا غير مبرر و غير طبيعي في الأسعار نتيجة ممارسة فئة من التجار لأعمال بعيدة كل البعد عن أخلاقيات العمل التجاري .
مما حتم على المشرع الجزائري تدخلا تشريعيا بقانون جديد يعمل على ردع هذه الممارسات من خلال صدور القانون الأخير 21-15 المتعلق بمكافحة المضاربة غير المشروعة .[4]
اركان جريمة المضاربة غير المشروعة
ويتحقق الركن المادي في هذه الجريمة بكل سلوك إيجابي يكون هدفه التأثير على السير الطبيعي للسوق و الأسعار حيث يتوافر على عنصرين اثنين هما استعمال أحد الوسائل الاحتيالية التي نص عليها القانون لإحداث الاضطراب في أسعار السلع والبضائع والأوراق المالية العامة أو الخاصة . كما يقوم الركن المادي لجريمة المضاربة غير المشروعة على ثلاثة مكونات مترابطة مع بعضها البعض لتكون المظهر الخارجي لهذه الجريمة :
ا – السلوك الاجرامي :
لقد عددت المادة 20 فقرة 1 من القانون 21 -15 الأفعال و السلوكات التي إذا قام بها الجاني تعد من قبل المضاربة غير المشروعة و هي كما يلي :
1- كل تخزين أو أخفاء للسلع أو البضائع يهدف إلى إحداث ندرة في السوق أو اضطراب في التموين
2- كل رفع أو خفض مصطنع في أسعار السلع أو البضائع أو الأوراق المالية بطريق مباشر أو غير مباشر أو عن طريق وسيط أو استعمال الوسائل الالكترونية أو أي طرق أو وسائل احتيالية أخرى.
3- ترويج أخبار أو أنباء كاذبة أو مغرضة عمدا بين الجمهور بغرض إحداث اضطراب في السوق و رفع الأسعار بطريفة مباغتة و غير مبررة .
4- طرح عروض في السوق بغرض إحداث اضطراب في الأسعار أو هوامش الربح المحددة قانونا.
5- تقديم عروض بأسعار مرتفعة عن تلك التي كان يطبقها البائعون عادة .
6- القيام بصفة فردية أو جماعية أبناء على اتفاقات بعملية في السوق بغرض الحصول على ربح غير ناتج عن التطبيق الطبيعي للعرض و الطلب.
7- استعمال المناورات التي تهدف إلى رفع أو خفض قيمة الأوراق المالية .
و من خلال استعراض هذه الأفعال المكونة للسلوك المجرم في جريمة المضاربة غير المشروعة و مقارنتها مع تلك التي وردت في المادة 172 من قانون العقوبات الملغاة نجد أن المشرع الجزائري قد وسع من دائرة الأفعال المجرمة و في طرقها ووسائلها حيث نجده : قد أدخل ما يسمى بتخزين المواد الغذائية و السلع بقصد إحداث الندرة و استغلال ذلك في رفع الأسعار و البيع المشروط هذه الظاهرة الخطيرة التي مافتئت تزداد يوما بعد يوم . و إضافة وسائل جديدة لارتكاب الجرائم و إدخال مصطلح " الوسائل الاكترونية " و كذلك " غير مباشر " في الفقرة 02 و ذلك لحرص المشرع على سد كل الأبواب و الطرق على المضاربين .[5]
ب- النتيجة الإجرامية :
إن جريمة المضاربة غير المشروعة باعتبارها جريمة اقتصادية وعلى غرار الكثير من الجرائم في هذا المجال تعتبر من جرائم الخطر التي لا يشترط فيا المشرع نتيجة جرمية بل يكتفي المشرع بقيام السلوك الاجرامي للمعاقبة الفعل المرتكب و هذا ما يفسر المشرع على الشروع في هذه الجرائم حيث نص عليها صراحة بالقول في المادة 20 بالقول " يعاقب على الشروع في الجنح المنصوص عليها في هذا القانون بالعقوبات المقررة للجريمة التامة ".
ج العلاقة السببية :
تشكل العلاقة السببية الرابط الذي يصل بين السلوك المجرم و النتيجة الجرمية من خلال توافر العلاقة بين أحد السلوكيات المذكورة في المادة 02 و الضرر الناجم عنها ، و يخضع الفصل في مسألة توافر العلاقة السبية من عدمه إلى السلطة التقديرية لقاضي الموضوع فإذا انقطعت هذه الرابطة انتفت المسؤولية الجزائية.
العقوبات
أما بالنسبة إلى العقوبات المقررة لجنحة المضاربة غير المشروعة بعقوبة الحبس من 03 سنوات إلى 10 سنوات وبغرامة قدرها (1000.1000دينار جزائري إلى 2000.000 دينار جزائري ).
و تشدد العقوبات في هذه الجنحة إذا وقعت المضاربة غير المشروعة على المواد الضرورية للمواطن و التي ذكرتها المادة 13 من القانون 21-15 و المتمثلة في : الحبوب و مشتقاتها ، البقول الجافة ، الحليب ،الخضر و الفواكه ، الزيت ، السكر ، البن ، مواد الوقود ، المواد الصيدلانية ، حيث تصبح العقوبة الحبس من 10 سنوات إلى 20 سنة أما الغرامة فتصبح من 2000.000 دينار جزائري إلى 10.000.000 دينار جزائري .
وهذا ما يؤكد المشرع الجزائري على تشديد الحماية على المواد الضرورية من أي مساس أو تلاعب .
وبالإضافة إلى العقوبات المذكورة في نص المادة 12 و 13 من القانون رقم 21-15 تجيز المادة 16 و17من نفس القانون الحكم على الجاني بالمنع من الإقامة من سنتين إلى خمس سنوات وبالمنع من ممارسة حق أو أكثر من الحقوق المذكورة في المادة 09 مكرر من قانون العقوبات وتوجب الأمر بنشر الحكم. و اكثر من ذلك فقد اعتبر المشرع الجزائري جريمة المضاربة غير المشروعة كجناية في حالتين وردتا في كل من المادتين 14 و 15 من القانون رقم 21-15 حيث جاء في المادة 14 " و عند ارتكاب سلوكات المضاربة غير المشروعة و المتعلقة بالمواد الأساسية و الواردة في المادة 13 خلال الحالات الاستثنائية أو عند ظهور أزمة صحية طارئة و حالة تفشي وباء كما هو عليه حالنا اليوم في جائحة كرونا أو عند وقوع كارثة فإن جريمة المضاربة تكيف جناية "[6]
و هو الأمر نفسه الذي أوردته المادة 15 و التي جعلت ارتكاب الأفعال الوادة في المادة 13 أيضا و المتعلقة بالمضاربة على المواد الأساسية من طرف جماعة إجرامية منظمة بمثابة جناية.[7]
وخلاصة القول إن حماية الأعوان الاقتصاديين من الممارسات المقيدة للمنافسة هي ليست حكرا على مجلس المنافسة باعتباره صاحب الاختصاص الأصلي ولكن امتدت الحماية لتشمل حتى الهيئات القضائية.





