القانون الجزائي للاعمال

جريمة الاختلاس

تعد جريمة الاختلاس من أخطر جرائم الفساد، لكونها تصيب المصالح العليا للمجتمع و تهدد الجولة في كيانها و استقرارها، فإنها لاقت إهتماما كبيرا في مختلف الأنظمة القانونية.

وعليه وضع المشرع الجزائري قانون خاص لمكافحة الفساد حيث قام بنقل أحكامها من قانون العقوبات إلى قانون مكافحة الفساد. و من أجل البحث في الموضوع إرتأينا التطرق إلى العناصر التالية:

أولا- تعريف جريمة الاختلاس:

سنتطرق إلى تعريف الاختلاس في اللغة و الفقه

• التعريف اللغوي: الاختلاس لغة مأخوذة من إختلس، يختلس، إختلاسا بمعنى الشيئ أخذه بحيلة مختالة، إختلس ما في عهدته من مال خلسة.[1]

• التعريف الفقهي: تعددت الأراء الفقهية في تعريف جريمة الاختلاس، إلا أنه يمكن إجماعه على أنها نقل الشيئ أو أخذه أو نزعه من المجني عليه و إدخاله إلى حيازة الجاني الشخصية ، مما يعني أن الاختلاس يتحقق بفعل مادي يتم بانتزاع الشيئ من مالكه أو حائزه ، ونقله إلى حيازة الجاني بحيث يصبح تصرفه الشخصي.[2]

ثانيا- علاقة جريمة الاختلاس بالجرائم المشابهة لها:

تتقاطع جريمة الاختلاس مع جرائم أخرى موجودة ضمن قانون العقوبات، حيث تتشابه معها إلى حدّ كبير في بعض النواحي، وتختلف في نواحي أخرى وأقرب الجرائم إلى جريمة الاختلاس هما جريمتي السرقة و خيانة الأمانة.

علاقة جريمة الاختلاس بجريمة السرقة:

الجريمتان تشتركان، و تختلفان في مواطن كما يلي:

أوجه التشابه:

يتميز السلوك الإجرامي في كل منهما في فعل الاختلاس ، و لو ـأن حقيقة فعل الاختلاس تختلف بينهما ، كما أن موضوع الاختلاس في الجريمتين هو المال المنقول أو العقار بالتخصيص [3]

أوجه الإختلاف:

لا يقع الاختلاس إلا من موظف عمومي أو في حكمه ، بخلاف جريمة السرقة التي تقع من الموظف و من غير الموظف . كما أنه في حال موضوع السرقة يتم نقل المال من حيازة المجني عليه إلى حيازة الجاني ، و يختلف الأمر في جريمة الاختلاس كون المال في حيازة الجاني مسبقا ، و يتمثل فعل الجاني في تغيير نوع الحيازة من ناقصة إلى تامة و من مؤقتة إلى دائمة ، هذا أورد المشرع الجزائري جريمة السرقة ضمن جرائم قانون العقوبات ، فيما نقل جريمة الاختلاس إلى قانون مكافحة الفساد.[4]

علاقة جريمة الاختلاس بجريمة خيانة الأمانة:

جريمة الاختلاس لها علاقة بجريمة خيانة الأمانة ، بل أنهما تتشابهان كثيرا إلى حدّ يمكن إعتبار جريمة الاختلاس شكلا من أشكال خيانة الأمانة ، وبين الجريمتين أوجه التشابه و أوجه إختلاف.

أوجه التشابه :

جوهر السلوك الإجرامي في الجريمتين هو تغيير نوع الحيازة من مؤقتة إلى دائمة ، و تحمل كلتا الجريمتين معنى الإخلال بالثقة ، فالموظف المختلس يكون قد أخل ّ بالثقة الموضوعة فيه من قبل الدولة بحكم وظيفته فيها ، بينما خائن الأمانة يكون قد أخل ّ بثقة المجني عليه فيه . كما تتم الجريمتان بمجرد إتيان السلوك الإجرامي و لذلك يتصور الشروع في أي منهما .

أوجه الاختلاف :

لا تقع جريمة الاختلاس إلا من موظف عمومي أو من في حكمه ، بخلاف جريمة خيانة الأمانة التي تقع من موظف أو من غيره ، كما يختلف تسليم المال محل الاختلاس بين الجريمتين ، ففي الاختلاس يتسلم الموظف المال بحكم وظيفته أو بمقتضاها ، بخلاف الأمر في جريمة خيانة الأمانة يتسلم الجاني المال بعقد من عقود الأمانة المنصوص عليها و عددها ستة و هي واردة على سبيل الحصر وهي عقد الوديعة ، عقد عارية ، عقد الوكالة ، عقد الرهن ، عقد الإجار . [5]

لم يتطلب المشرع نتيجة إجرامية في جريمة الاختلاس ، فالجريمة تكون قائمة بكل سلوك يفيد تغيير نوع الحيازة و لو لم يترتب عن ذلك فعل ضار ّ ، بينما اشترط القانون في جريمة خيانة الأمانة قيام الضرر ، حيث ورد في المادة 376 من ق . ع " و ذلك إضرارا بمالكيها أو واضعي اليد أو حيازتها . "

المصلحة المحمية في جريمة الاختلاس هي المصلحة المحمية في جريمة الاختلاس هي المصلحة العامة سواءا كانت في صورة الوظيفة أو في صورة المال موضوع الاختلاس ، بخلاف الحال بالنسبة لجريمة خيانة الأمانة إ ذ تقع الجريمة على المصلحة الخاصة .

ثالثا- أركان جريمة الاختلاس :

إضافة إلى الركن الشرعي المتمثل في قانون مكافحة الفساد رقم 06_01 فإنه مادام أن المصلحة الضحية في جريمة الاختلاس هي الوظيفة العامة إضافة إلى المال العام ، فهي من الجرائم التي تفرض وجود صفة محددة في الجاني و هي صفة الموظف العام ، و بذلك تزيد هذه الجريمة عن الجرائم الأخرى التي تقوم في العادة على الركنيين المادي و المعنوي بالركن المفترض ، و هي بذلك تقوم على ثلاثة أركان :

الركن الأول :

الركن المفترض و هو صفة الجاني ، فجريمة الاختلاس لا تقوم من أي كان ، و إنما يلزم لقيامها توفر صفة الموظف العمومي في الجاني على النحو الذي حددته المادة 02 من قانون مكافحة الفساد .

• و لقد عّرف القانون06_01 الموظف العام بأنه :

• " كل شخص يشغل منصبا تشريعيا أو تنفيذيا أو قضائيا أو إداريا ، أو عضو في أحد المجالس الشعبية المنتخبة سواءا أكان معينا أو منتخبا ، دائما أو مؤقتا ، مدفوع الأجر أو غير مدفوع الأجر ، بصرف النظر عن رتبته أو أقدميته ,

• كل شخص آخر يتولى و لو مؤقتا وظيفة أو وكالة بأجر ، و يساهم بهذه الصفة في خدمة هيئة عمومية أو مؤسسة عمومية أو أي مؤسسة أخرى تملك الدولة كل أو بعض رأسمالها ، أو أي مؤسسة أخرى تقتني خدمة عمومية .

• كل شخص آخر معرف بأنه موظف عمومي أو من في حكمه ، طبقا للتشريع و التنظيم المعمول بهما ."[6]

الركن الثاني :

الركن المادي يتضمن عنصرين هما السلوك الاجرامي ، و محل وقوعه .

السلوك الاجرامي :

بالنظر إلى المادة 29 من قانون مكافحة الفساد فإن السلوك الاجرامي في هذه الجريمة يتحقق بأحد الأفعال التالية :

الاختلاس : هو فعل ما يقوم به الموظف من أجل تحويل الأموال التي يحوزها حيازة مؤقتة إلى حيازة دائمة ، و على خذا الفعل أطلق المشرع إسم الجريمة . مع أنها تشمل مجموعة من الأفعال الأخرى ، و يحمل الاختلاس نوعا من السرية و الاخفاء فهو إما أن يقع بعيدا عن الأعين و من تطبيقات ذلك الذي يقود سيارة المصلحة التي يشغل بها ببيع بنزينها ،

الاتلاف : هو الصورة الثانية للسلوك الاجرامي و قد ورد في مواد أخرى كما هو الحال في المادة 158 في جريمة سرقة الأوراق من المستودعات العمومية .

و يختلف الإتلاف عن التبديد في كونه ينص على المال المختلس فيعدمه ، و ذلك بإحراقه مثلا ، أو تفكيكه بحيث يفقد قيمته و صلاحيته كلية ,

التبديد : و مثال التبديد ، المدير الذي يشتري أشياء للمؤسسة هي في غنى عنها و لا تستعمل أصلا ، أو يشتري أشياء بأنها غالية جدا ، و سعرها في الواقع أقل من ذلك بكثير . فالتبديد يقع على المال المختلس بمعنى أنه عملية لاحقة للاختلاس .

الاحتجاز بدون وجه حق : على الرغم من أن الاحتجاز لا يعبر بوضوح عن نية الجاني في تغبير نوع الحيازة ، إلا أن المشرع أدخل هذا الفعل ضمن أفعال الاختلاس رغبة منه في أن يؤدي المال الوظيفة التي من أجلها سلم الموظف إلى حين المال الذي يحوزه عن التصرف الذي سلم إليه بسببه ، فيفوت بذلك مصالح و يشكل إضرار بأصحاب تلك المصالح .

محل الاختلاس :

بالنظر إلى المادة 29 من قانون مكافحة الفساد فإن محل الاختلاس إما أن يكون ممتلكات ، أو أموالا أو أوراقا مالية عموميو أو خاصة أو أشياء أخرى ذات قيمة .

الممتلكات عرفتها المادة القانية من قانون مكافحة الفساد ، و تشمل الموجودات بكل أنواعها كانت مادية أو غير مادية ، منقولة أو غير منقولة ، ملموسة أو غير ملموسة .

المستندات و هي الوثائق التي تثبت بها الحقوق لأصحابها كالأحكام القضائية و عقود الملكية و أيضا السندات ، ويقصد بها كل المحررات التي تثبت صفة كالبطاقات و الشهادات ، و تشمل الأرشيف و كل الوثائق التي تكون لها قيمة و لو معنوية .

الأموال : على الرغم من كون الأموال جزءا من الممتلكات ، إلا أن المشرع قد خصها بالذكر ليصبح مصطلح الأموال مقتصرا على النقود بكافة أنواعها و عملاتها ووظيفتها ، حيث تشمل العملات المعدنية و الأوراق النقدية سواء كانت ملكا الدولة أو ملكا للافراد مهما كان الغرض الذي وجدت لأجله الأموال في يد الموظف سواء كانت ودائع أو فواتير أو مرتبات أو منح .

الأوراق المالية : هي الأوراق المتضمنة لقيم مالية كالشيكات و السندات و الأوراق التجارية و الأسهم و الوصولات .

الأشياء الأخرى ذات القيمة : تشمل كل ما لا نجده في الأنواع الثلاثة السابقة إذا كانت ذات قيمة كإختلاس موظف شهادة الميلاد من ملف شخص ما بصورة تجعل من الملف مرفوضا في مسابقة معلنة

الركن الثالث :

الركن المعنوي جريمة الاختلاس من الجرائم التي لا تقع إلا عمدا ، فلا يقع الاختلاس بالخطأ أبدا . فإذا كان الموظف قد اختلس المال أو بدده أو أتلفه أو احتجزه بغير وجه حق بطريق الخطأ ، فالفعل لا يكون اختلاسا ن و هذا يتأسس القصد الجنائي على عنصرين هما : العلم و الإرادة .

العلم : يجب أن يكون الموظف الجاني عالما بثلاثة أمور

• عالما بصفته موظفا عاما .

• عالما بأن المال الذي يحوزه حيازة ناقصة و أنه ليس ملكا له ،

• و أن يكون عالما بأن الفعل الذي يقوم به يشكل اختلاسا أو تبديدا أو إيتلافا أو احتجازه بغير حقا لذلك المال .

الإرادة : إذا توفر العلم على النحو السابق لدى الجاني ثم توجهت إرادته إلى أحد أفعال السلوك الاجرامي الأربع و تصرف في المال تصرف المالك وقعت الجريمة ، أما إذا توفر العلم و اتجهت إرادته إلى أخذ المال بغير نية التملك كالحفظ مثلا فلا تقع الجريمة .

رابعا-العقوبات المقررة لجريمة الاختلاس :

إذا توافرت كل الأركان و الشروط المتطلبة لقيام جريمة الاختلاس ، فإن الموظف العام أو العون سوف يتعرض للعقوبات المحددة في القانون ، و قد ميّز المشرع في هذه الإطار بين في العقوبات المقررة للموظف العمومي في القطاع العام ، و بين عقوبات الأعوان في القطاع الخاص و ذلك على النحو التالي :

العقوبات المقررة لجريمة الاختلاس في القطاع العام

" يعاقب الموظف العام الذي يرتكب جريمة الاختلاس بالحبس من سنتين إلى عشر سنوات و بغرامة مالية من 200.000 دج إلى 1 . 000.000 دج و هذا حسب مقتضيات المادة 29 من قانون مكافحة الفساد .

ضف إلى العقوبات التكميلية المنصوص عليها في قانون العقوبات و قانون مكافحة الفساد :

العقوبات التكميلبة المنصوص عليها في قانون العقوبات و هذا على حسب المادة 09 وهي :

• الحجر القانوني

• الحرمان من ممارسة الحقوق الوطنية و المدنية و العائلية ,

• تحديد الإقامة

• المنع من الإقامة

• المصادرة الجزئية للأموال

• المنع المؤقت من ممارسة مهنة أو نشاط المدة لا تتجاوز خمسة سنوات

• إغلاق المؤسسة

• الإقصاء من الصفقات العمومية

• الحظر من إصدار الشيكات أو استعمال بطاقات الدفع

• نشر الحكم أو تعليقه

العقوبات التكميلية المنصوص عليها في قانون مكافحة الفساد : بالإضافة إلى العقوبات التكميلية المنصوص عليها في قانون العقوبات ، نصت المادتين 51 و 55 من قانون الوقاية من الفساد و مكافحته على عقوبات تكميلية نوجزها في :

• مصادرة العائدات و الأموال غير المشروعة

• إبطال العقود و الصفقات و الإمتيازات

العقوبات المقررة لجريمة الاختلاس في القطاع الخاص :

على غرار القطاع العام ، قد قرر المشرع عقوبات على الاختلاس في القطاع الخاص و لكن بعقوبات أقل شدة يدير كيان تابع للقطاع الخاص أو يعمل بأية فيه بأية صفة أثناء مزاولة نشاط اقتصادي أو مالي أو تجاري ، مرتكب لجريمة الاختلاس بالحبس من ستة أشهر إلى خمسة سنوات و بغرامة مالية تقدر ما بين 50. 000 دج إلى 500.000دج و هذا حسب مقتضيات المادة 41 من قانون مكافحة الفساد .

بعد إقرار المشرع الجزائري المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي كما تم التطرق إليه سابقا ، أقرّ قانون مكافحة الفساد عقوبات مقررة للشخص المعنوي بغرامة مالية تساوي من 1 إلى 05 مرات الحد ّ الأقصى للغرامة المقررة قانونا للجريمة عندما يرتكبها الشخص الطبيعي .[7]

بالإضافة إلى العقوبات الأصلية المقررة للشخص المعنوي ، أقرّ المشرع الجزائري عقوبات تكميلية في المادة 18 مكرر من ق. ع :

• حل الشخص المعنوي

• غلق المؤسسة أو فرع من فروعها لمدة لا تتجاوز 5 سنوات

• الإقصاء من الصفقات العمومية لمدة لا تتجاوز 5 سنوات

• المنع من مزاولة نشاط مهني أو إجتماعي ، بشكل مباشر أو غير مباشر نهائيا لمدة لا تتجاوز 5 سنوات

• تعليق نشر و حكم الإدانة

• مصادرة الشيئ الذي استعمل في ارتكاب الجريمة أو نتج عنها .

  1. 1

    علي بن هادية ، القاموس الجديد للطلاب ، المؤسسة الوطنية للكتاب ، ط7 ، الجزائر ، 1991 ، ص21 .

  2. 2

    مراد رشدي ، النظرية العامة للإخلاس في القانون الجنائي ، مطبعة الكلياني ، مصر ، ص 114.

  3. 3

    منصور رحماني ، القانون الجنائي للمال و الأعمال ، الجزء الأول، دار هومة للطباعة و النشر ، الجزائر ، 2012 ، ص 83 .

  4. 4

    منصور رحماني ، المرجع نفسه ، ص 84 .

  5. 5

    المادة 376من قانون العقوبات

  6. 6

    المادة 02 من قانون مكافحة الفساد ، المؤرخ في 20فبراير 2006 ، ج. ر ، ع 14، الصادرة في 08 مارس2006

  7. 7

    و تجدر الإشارة أن المشرع الجزائري ، لم يفرق بين الشخص المعنوي الوطني و الأجنبي في الغرامات ، لأنه من الناحية العملية توجد صعوبات كبيرة جدا في تنفيذ هذه الغرامات على الأشخاص المعنوية الأجنبية ، لأن هؤلاء الأشخاص لا يكون محلها الرئيسي الذي تنفذ عليه الاحكام في الجزائر

سابقسابقمواليموالي
استقبالاستقبالاطبعاطبعتم إنجازه بواسطة سيناري (نافذة جديدة)