القانون الجزائي للاعمال

جريمة تبيض الأموال

تعتبر جريمة تبيض الأموال شديدة الخطورة على الاقتصاد الوطني والأمن الاجتماعي، سعى المشرّع الجزائري على غرار التّشريعات المقارنة إلى تجريم هذه الظّاهرة من خلال وضعها في إطارها القانوني من خلال النّص على أسسها والأفعال المكوّنة لها، إضافة إلى أحكامها وأركانها، فضلا عن لعقوبات المقررة لها

الأساس المفاهيمي القانوني

يتمثل في ضبط مفهوم جريمة تبييض الأموال من حيث الأركان، خاصة الرّكن الشّرعي، والرّكن المادي، والرّكن المعنوي، والّتي نحاول إيرادها من خلال هذا العنصر.

الرّكن الشّرعي:

يعتبر مبدأ الشّرعية من أهم المبادئ الأساسية الّتي استقر عليها القانون الجزائي الجزائري، على غرار التّشريعات المقارنة، والّذي مفاده لا جريمة ولا عقوبة ولا تدابير أمن بغير قانون[1]، أي من دون نص صريح يحدد الجرائم والعقوبات.

وبعبارة أخرى فإنّ الرّكن الشّرعي هو النّص القانوني الّذي يحدد الفعل المجرّم والعقوبة الّتي تترتب عليه، ويتجسد الرّكن الشّرعي لتبييض الأموال في التّشريع الجزائري، في المواد 389 مكرر، 389 مكرر 1، 389 مكرر 2، 389 مكرر 3، 389 مكرر 4، 389 مكرر 5، 389 مكرر 6، 389 مكرر 7، وهذه المواد مستحدثة بالقانون رقم 04/15 المعدل والمتمم للأمر رقم 66/156، المتضمن قانون العقوبات الجزائري.

الرّكن المادي:

يتمثل الرّكن المادي في جريمة تبييض الأموال، وذلك ما نستنتجه مما جاء في المادة 389 مكرر، في ثلاثة صور، وهي:

• تحويل الأموال أو نقلها: يقصد بذلك إجراء عمليات مصرفية أو غير مصرفية، الغرض منها تحويل الأموال المتحصل عليها من جريمة أخرى، أي الغرض منها تمويه مصدرها كتحويل النّقود القذرة المتحصل عليها من جريمة المتاجرة بالمخدرات إلى مجوهرات أو ذهب، ثم القيام ببيعها مقابل عملة أجنبية.[2]

• إخفاء أو تمويه الطّبيعة الحقيقية للأموال: وهو كلّ عمل من شأنه حجب الحقيقة عن المصدر غير المشروع، سواء كان هذا الإخفاء مستورًا أو علنيًا، كما لا يهم سبب الإخفاء، حتى لو كان بطريقة مشروعة كشراء الشيء المتحصل عن السّرقة، أو اكتساب الأموال غير المشروعة عن طريق الهبة، أما فعل التّمويه فيقصد به اصطناع مصدر مشروع غير حقيقي للأموال غير المشروعة، كإقحام هذه الأموال في الأرباح النّاتجة عن نشاط إحدى الشّركات القانونية، حيث تظهر هذه الأموال كأرباح للشّركة، ويتمثل محل الإخفاء أو التّمويه في حقيقة الأموال أو مصدرها، أو مكانها، أو طريقة التّصرف فيها...إلخ.

• حيازة أو اكتساب الأموال: وتطبق هذه الحالة بالخصوص على البنوك والمؤسسات المالية، حيث توضع الودائع والمبالغ المالية غير المشروعة في هذه المؤسسات، مع علمها بمصدرها غير المشروع، سواء كان هذا الإيداع في شكل رصيد أو فتح حساب أو في شكل أمانة.[3]

الرّكن المعنوي:

إنّ جريمة تبييض الأموال من الجرائم العمدية، تقوم على توفر القصد الجنائي العام بعنصريه، العلم والإرادة الآثمة، بالإضافة إلى القصد الجنائي الخاص، وهو نية الرّبح من مصدر غير مشروع أو عائدات إجرامية.

الأساس المفاهيمي الاقتصادي

يقوم على حماية النّظام المالي والاقتصاد الوطني من مخاطر إدماج الأموال غير المشروعة، وصون الثّقة في المعاملات المالية والأسواق ذات الطّابع الاقتصادي، ويمكن إيراد أهم هذه المخاطر كما يلي:

الشراء نقدًا

بهذا الأسلوب يشتري المبيضون موجودات أو منقولات أو أدوات نقدية مثل صكوك مالية، أو سيارات فخمة، أو تحف، أو عقارات ثمينة بسعر أقل من قيمتها، من خلال دفع المبلغ الكامل بطريقة وهمية، ثم إعادة بيع هذه المشتريات بقيمتها الحقيقية، مما يسمح بتبرير موارد ضخمة بصفة شرعية، وذلك بفضل فائض القيمة. [4]

استخدام الشّركات الوهمية

أي استخدام شركات بصورة قانونية، لكنها لا تمارس نشاطها في الواقع، يتم فقط فتح حسابات باسمها داخلية كانت أو خارجية، منتشرة في الدّول الّتي لا تمارس رقابة أو تمتاز بسرّية المعاملات المصرفية.[5]

التّهريب

يقوم المتورطون في العمليات الإجرامية بتهريب متحصلاتهم النّقدية بأنفسهم، أو عن طريق أشخاص أخرون من خارج البلاد، ولقد تم مؤخرًا إنشاء شركات متخصصة في التّهريب، وهي شركات تمارس نشاطًا تجاريًا أو غير تجاري، حيث تقوم بدور الوسيط بين أصحاب الأموال غير المشروعة، بهدف إضفاء الصّفة المشروعة على نشاطاتهم، وإدخال أموالهم القذرة إلى دولهم الأم، وذلك مقابل عمولات كبيرة، ويكمن خطر هذه الشّركات في أنّها تلعب دورًا مزدوجًا في مجال التّهريب ومجال تبييض الأموال. [6]

1. الأسس المفاهيمية ذات الطّابع التّقني والدّولي

تعكس هذه الجزئية التّحول البنيوي الّذي مسّ طبيعة الجريمة في العصر الرّقمي، سواء كان ذو طابع تقني(أ)، أو دولي (ب).

أ‌- الأساس المفاهيمي التّقني

إنّ الاستخدامات الالكترونية الحديثة المستعملة في جريمة تبييض الأموال عديدة لتعدد الوسائل المساعدة على ذلك، وسنذكر أبرز هذه الوسائل تباعًا.

- بنوك الانترنيت: يستخدم تعبير بنوك الانترنيت (Internet Banking) كتعبير متطور وشامل للمفاهيم الّتي ظهرت في مطلع التّسعينات كمفهوم الخدمات المالية عن بعد، أو البنك المنزلي أو البنك على الخط أو الخدمات المصرفية الذّاتية، وجميعها تتصل بقيام العملاء بإدارة حساباتهم وإنجاز أعمالهم المتصلة بالبنك عن طريق المنزل أو المكتب أو أي مكان آخر في الوقت الّذي يريده العميل.[7]

أصبحت بنوك الانترنيت وسيلة لمبيضي الأموال يقومون عن طريقها بتحويل أموال ضخمة بسهولة كبيرة، وذلك باستخدام أرقام سرية للدّخول إلى هذه البنوك، تعمل هذه الخيرة في محيط من السّرية التّامة، إذ لا يكون المتعاملون فيها معروفي الهوية.[8]

- التّجارة الالكترونية: وهي وسيلة مستحدثة، تعد من أخطر الوسائل الّتي يستخدمها مبيضي الأموال، من أجل إيصال المعلومات أو الخدمات أو المنتجات عبر خطوط الهاتف أو شبكات الكمبيوتر أو أية وسيلة تقنية أخرى. ومن الأمثلة الشّهيرة لارتكاب جريمة تبييض الأموال عبر التّجارة الالكترونية، هي شراء أشياء معينة يعرضها أصحابها للبيع عبر مواقع الانترنيت بأسعار يحددونها بأنفسهم، تزيد غالبًا عن قيمة الأشياء المعروضة للبيع، بهدف إعادة بيعها بعد شرائها، حتى لو كان هامش الرّبح ضئيلًا أو فيه خسارة، ليكن بذلك الغرض هو تبييض هذه الأموال بعد بيعها من أجل تحصيل أموال مشروعة.[9]

- الأموال المشفّرة: أو العملات الالكترونية أو العملة الافتراضية، هي تمثيل رقمي لقيمة يمكن تحويلها أو تخزينها أو تداولها الكترونيًا، لا تصدر عن بنك مركزي أو سلطة عامة، وليست بالضّرورة متعلقة بعملة ورقية، والعملة الافتراضية الأكثر شهرة هي (البتكوين) ولا توجد طريقة محددة لتحديد قيمنها أو التّعرف على أطرافها. وتتم عمليات بيع وشراء هذه العملات الافتراضية من خلال الانترنيت.[10]

ب‌- الأساس المفاهيمي الدّولي

إنّ جريمة تبييض الأموال من أهم الظواهر السّلبية الحديثة، الّتي حظيت باهتمام المجتمع الدّولي، بمنظماته ودوله القاطبة، لما لها من آثار سلبية على الاقتصاد العالمي والإقليمي على حد السواء،[11] حيث عقدت بشأنها اتفاقيات، وصدرت عدّة توصيات من هيئة الأمم المتحدة ومجلس الاتحاد الأوروبي والاتحاديات الإقليمية المختلفة.[12] من بين هذه الاتفاقيات، اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية (فينا 1988)، إذ تعتبر هذه الأخيرة تتويجًا لمجهود متواصل قامت به الأمم المتحدة منذ بضع عقود في مجال مكافحة المخدرات[13] كما أنّها كانت الخطوة الأولى والأهم الّتي جسدت قناعة المجتمع الدّولي بضرورة مجابهة عمليات تبييض الأموال، وقد أشارت الديباجة إلى ضرورة إدراك الأطراف بأنّ الاتجار غير المشروع يحقق أرباحًا طائلة تشجع المنظمات الإجرامية الدّولية على اختراق وإفساد المؤسسات الحكومية التّجارية والمالية، والمجتمع على جميع مستوياته، وهذا ما يستدعي تقوية وتعزيز الوسائل القانونية الفعّالة للتّعاون الدّولي في المسائل الجنائية. وقد نصت المادة الثّالثة من الاتفاقية الّتي جاءت تحت عنوان الجرائم والجزاءات على أنّه"يتخذ كلّ طرف ما يلزم من تدابير لتجريم الأفعال التّالية في إطار قانونه الدّاخلي في حال ارتكابه عمدًا.....إخفاء أو تمويه حقيقة الأموال أو مصدرها أو مكانها أو طريقة عملها، التّصرف فيها أو حركتها أو الحقوق المتعلقة بها أو ملكيتها، مع العلم بأنّها مستمدة من جريمة أو من جرائم منصوص عليها في الفقرة الفرعية أ من هذه الفقرة أو مستمدة من فعل من أفعال الاشتراك في مثل هذه الجريمة أو الجرائم.....".

  1. 13

    المادة الأولى من قانون العقوبات الجزائري، الأمر رقم 66-156، المؤرخ في 08 يونيو 1966، المتضمن قانون العقوبات، المعدل والمتمم.

  2. 14

    بدراني أحمد، فروحات السّعيد، أحكام الإخطار بالشّبهة المالية لمكافحة جريمة تبييض الأموال في التّشريع الجزائري، مجلة الوحدات للبحوث والدّراسات، المجلد الرّابع، جامعة غرداية، الجزائر، العدد 01، سنة 2021، ص 15.

  3. 15

    أحمد بدراني ، المرجع السابق ص 16.

  4. 16

    صالح جزول، جريمة تبييض الأموال في قانون العقوبات الجزائري والشّريعة الإسلامية –دراسة مقارنة-، أطروحة مقدمة لنيل شهادة الدّكتوراه في العلوم الإسلامية، تخصص شريعة وقانون، كلية العلوم الإنسانية والحضارة الإسلامية، جامعة أحمد بن بلة، وهران، سنة 2014-2015، ص 26.

  5. 17

    أحمد حسين الهيتي، رفاه عدنان نجم، المرجع السّابق، ص 86.

  6. 18

    علي حبيش، آثار الإصلاحات المصرفية على مكافحة تبييض الأموال في الجزائر، رسالة مقدمة لنيل شهادة الماجستير، تخصص نقود مالية وبنوك، كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التّسيير، جامعة سعد دحلب، البليدة، سنة 2006، ص 21.

  7. 19

    Louis (Jean)،La carte de Paiement Electronique، Université De Droit، D'économie et de science Sociales De Paris، Paris، Année 1989، p. 69.

  8. 20

    Tahri (Cédric), Droit commerciale, instrument de paiement et de crédit, 2 ème édition, Lexicaldroit, p. 32.

  9. 21

    ذهبية لعجال، يوسف قاسي، الأساليب الحديثة لتبييض الأموال في ظل التّطور الالكتروني، مجلد الاجتهاد القضائي، المجلد الثالث عشر، مخبر أثر الاجتهاد القضائي على حركة التّشريع، جامعة محمد خيضر، الجزائر، العدد الخاص، سنة 2021، ص 105.

  10. 22

    ذهيبة لعجال ، المرجع نفسه، ص 106.

  11. 23

    القانون رقم 05-01، المؤرخ في 06 فبراير 2005، المتعلق بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتهما.

  12. 24

    سليمان عبد المنعم، مسؤولية المصرف الجنائية عن الأموال غير النّظيفة ظاهرة غسيل الأموال، من دون طبعة، دار الجامعة الجديدة للنّشر، مصر، سنة 1999، ص91.

  13. 25

    سليمان عبد المنعم ، المرجع نفسه، ص 93.

سابقسابقمواليموالي
استقبالاستقبالاطبعاطبعتم إنجازه بواسطة سيناري (نافذة جديدة)