ضعف الركن المعنوي في الجريمة الاقتصادية
لا يكفي لقيام المسؤولية الجزائية أن يصدر عن الفاعل سلوك إجرامي معاقب عليه، بل لابد لقيام المسؤولية الجزائية لهذا الجاني توافر الركن المعنوي، يتم عن اتجاه إرادته إلى ارتكاب سلوك إجرامي مع علمه بأن هذا الفعل يعاقب عليه القانون.[1]
و لكن في إطار جرائم الاعمال لا يتطلب توافر النية الإجرامية لأن كثير من هذه الجرائم تقع بمجرد الإغفال أو الإحجام بل إن كثير منها يقوم على فكرة الجرائم المادية.[2]
و من أجل معالجة هذه الأفكار قسمنا هذا المطلب إلى فرعين، حيث تناولنا فكرة تقلص الركن المعنوي في الجريمة الاقتصادية و ذلك في (الفرع الأول)، أما )الفرع الثاني( تطرقنا إلى تطبيقات لفكرة إقصاء الركن المعنوي في الجريمة الاقتصادية.
الفرع الأول: تقلص الركن المعنوي
يعتبر جانب من الفقه أن المسؤولية في جرائم الاعمال تقوم على مجرد ارتكاب الفعل المادي و ذلك دون البحث عن النية الإجرامية لمرتكب الفعل، و لذلك فإن المشرع يساوي بين القصد أي الجريمة العمدية و الخطأ في مكان قيام الجريمة الاقتصادية لأن سياسة التجريم الاقتصادية تميل إلى تقرير الجزاء عند مخالفة القواعد الاقتصادية سواء وقعت عن عمد أو عن إهمال.[3]
لقد نشأت فكرة إقصاء الركن المعنوي و الاكتفاء بالركن المادي لقيام الجريمة الاعمال في بداية القرن التاسع عشر (ق19)و قد كانت هذه الفكرة من صنع محكمة النقض الفرنسية التي تبنت فكرة أن الجرائم الاقتصادية تقوم بمجرد إتيان السلوك المجرم و حدوث النتيجة و ذلك بغض النظر عن توافر القصد الجنائي، الأمر الذي يعيق النيابة العامة من واجب إثبات أي نوع من الخطأ و الاكتفاء فقط بإثبات السلوك الإجرامي.
و على إثر هذا الاجتهاد برزت العديد من النظريات الفقهية[4] التي تؤيد اتجاه محكمة النقض الفرنسية، فالعميد "هوريه" يرى أن الجرائم الاقتصادية يكتفي فيها بوجود الرابطة السببية بين السلوك المادي للفاعل ومخالفة القانون وبذلك فهو يرى إبعاد العنصر النفسي الذي يقوم على الإرادة و العلم كما أن لا أهمية للأعذار و البواعث كما أنّ هناك جانب من الفقه يبرر فكرة تقلص الركن
المعنوي في الجرائم الاقتصادية على أساس حرص الشارع إلى صيانة أوضاع ضرورية لتنظيم المجتمع هذا من جهة و لأهمية المصلحة الاقتصادية العامة التي ينبغي حمايتها من جهة أخرى.
أولا- افتراض القصد الجنائي في القانون الاقتصادي
تقوم المسؤولية الجزائية التقليدية على ركيزة أساسية وهي بناء أحكامها على الواقع وتطورها من الافتراض، إلا أن ضرورة تكيف قانون العقوبات الاقتصادي مع طبيعة القانون الاقتصادي الذي يحميه تقتضي أحيانا الخروج عن تلك القواعد التقليدية وتكريس قواعد جديدة، لكن هذا الخروج لا يمس جوهر القصد الجنائي فهو مجرد تعديل للقواعد التي يخضع لها في الإثبات حيث ينتقل عبئ الإثبات من النيابة العامة إلى المتهم ليبين انتفاء القصد الجنائي لديه.
فصعوبة إثبات القصد الجرمي يمكن أن يمثل عائقا حقيقيا لتسليط العقوبة الجزائية خصوصا و أن اعتماد الركن القصدي من عدمه يعتمد في جزء هام على أهمية المصلحة التي ينبغي حمايتها و مدى خطورة الجريمة المرتكبة ، ذلك أن بعض الجرائم و خطورة نتائجها على الاقتصاد و السياسة الاقتصادية للدولة أدت بالمشرع إلى اعتبار بعض التصرفات و الأفعال تشكل قرينة على ارتكابها.[5]
و من هنا يقودنا إلى طرح التساؤل هو ما مدى افتراض العلم في الجرائم الاقتصادية ؟
يحتل عنصر العلم و الإرادة مكانة هامة في الجرائم الاقتصادية إذ أن القوانين الاقتصادية تنظم علاقات تجارية و مالية يومية، و هذه العلاقات تتغير بشكل مستمر و متسارع من ناحية كما أن المخالفات التي ترتكب بخصوصها قد لا تكون متعارضة مع الأخلاق و القيم المتبعة من ناحية أخرى و لذلك كان من الواجب الاضطلاع على الأحكام المنظمة لهذه العلاقات وهذا ما تم النص عليه من خلال التوصية الثالثة من توصيات المؤتمر الدولي السادس لقانون العقوبات "إن كثرة التعديلات التي تدخلها الدولة على النصوص التي تتوسل بها لحماية مصالحها الاقتصادية للبلاد يتطلب الدقة في صياغة هذه النصوص، كما يتطلب إدخالها إلى الجمهور بكل وسائل الإعلام، فلا يكتفي بنشرها في الجريدة الرسمية...".
أما بخصوص عنصر الإرادة فقد أهمل جانب من الفقه دور الإرادة في إحداث السلوك الإجرامي و هذا في الجرائم الاقتصادية، و لم يتطرق إلا لعنصر العلم و كأن هذه الجرائم لا تقوم إلا بالعلم سواء قبلت الإرادة النتيجة أم لم تقبلها،أي أنّ هذا الإتجاه الفقهي يقرر بأن الجريمة قصدية بالرغم من حديثهم على العلم فقط و إغفالهم الحديث عن الإرادة.
و على الرغم من وجاهة هذا القول إلا أنه تعرض للعديد من الانتقادات، إذ أنه لا يمكن القول بأي حال من الأحوال بأن المسؤولية الجنائية في الجرائم الاقتصادية تقوم على العلم وحده، فلإرادة و العلم مرتبطان ببعضهما البعض، و لا يتصور أن تقوم جريمة على عنصر العلم وحده دون أن تتجه إرادة الفاعل إلى ارتكاب السلوك الإجرامي لأن الإرادة هي جوهر المسؤولية و لذلك فإنه من المتفق عليه أنه بتوافر العلم فإن الإرادة تكون مفترضة، و الأصل أن الإنسان لا يقوم بأي فعل ما لم يكن صادرا عن إرادة حرة، و لذلك فإن النيابة العامة غير مكلفة بإثبات هذه الإرادة و لكنها قرينة بسيطة قابلة لإثبات العكس.[6]
و من الأمثلة التشريعية على تقليص عنصر الإرادة في إطار الجرائم الاقتصادية ما نص عليه المشرع الجزائري في جريمة تبييض الأموال المنصوص و المعاقب عليها بموجب المادة 389 مكرر من ق.ع.ج، حيث اعتبر تبييضا للأموال كل تحويل الأموال[7] و نقلها مع علم الفاعل بأنها عائدات إجرامية،...إلخ.
ثانيا- استنتاج الخطأ العمدي في الجرائم الاقتصادية
يتطلب المشرع في الكثير من الجرائم ضرورة توافر القصد العام أو الخاص، و لا يعاقب عليها عند عدم توافر هذا القصد حتى و لو كانت تنطوي على إهمال جسيم، أو عدم تبصر من جانب الجاني، فإذا كانت الجريمة حسب ما يستفاد من طبيعتها أو من نص الجريمة مما يشترط أن يتخذ فيه الركن المعنوي صورة القصد فمعنى ذلك مبدئيا أن الإهمال و مهما كان جسيما لا يصلح أن يحل محل القصد في قيام المسؤولية الجزائية[8]، حيث يسكت المشرع عن بيان الركن المعنوي ولا يتضح من النص ما إذا كان يتطلب في السلوك قصدا أم إهمالا بل يكون مفهوم من ذلك أنه يسوي الأمر في الحالتين من حيث اعتبار السلوك جريمة يعاقب عليها بالعقاب ذاته سواء كان وجهه الباطن هو القصد أو الإهمال و هو ما ذهبت إليه محكمة النقض الفرنسية في إحدى قراراتها عندما أكدت على أن من يقوم بسحب شيك دون التحقق من وجود رصيد كافي يتوفر سوء النية لديه من إهمال هذا التحقق.[9]
إن نشاط المجرم في إطار الجرائم الاقتصادية يهدف أساسا إلى تحقيق أرباحا غير مشروعة، لذلك توخى المشرع في إعداد بعض القوانين الاقتصادية ضرورة توافر القصد الجنائي (عام أو خاص) و هذا لطبيعة المصالح المحمية في القانون الجزائي الاقتصادي التي قد تكون إما مصالح اقتصادية عامة كالجرائم الاقتصادية التي تقع على المال العام أو مصالح اقتصادية خاصة كالجرائم المرتكبة في ميدان الشركات التجارية و من أمثلة الجرائم الاقتصادية العمدية التي استلزم فيها ضرورة توافر القصد الجنائي، جريمة تخريب منشآت صناعية مملوكة للغير، المنصوص و المعاقب عليها بموجب المادة 406 من ق.ع.ج، جريمة اختلاس الممتلكات من قبل موظف عمومي أو استعمالها على نحو غير شرعي المنصوص و المعاقب عليها بموجب المادة 29 من القانون رقم 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد و مكافحته، فمن الواضح أن هذه المواد السالف ذكرها تعاقب على الجرائم الاقتصادية بوصفها جرائم عمدية، أي تستلزم ضرورة توافر قصد جنائي عام أو خاص إلا أن هذا يبقى على سبيل الاستثناء لأن غالبية الجرائم الاقتصادية يتطلب فيها المشرع ضرورة توافر قصد جنائي الذي يبقى مفترضا ضف إلى ذلك أن سياسة المشرع في التجريم امتدت إلى تجريم السلوكات في حد ذاتها و هذا بغض النظر عن توافر القصد أو الإهمال.
الفرع الثاني: تطبيقات لفكرة إقصاء الركن المعنوي في الجريمة الاقتصادية
إن تقلص دور الركن المعنوي في الجرائم الاقتصادية يعود في الأساس إلى أهمية المصلحة المحمية من وراء التجريم الاقتصادي و هذا تحقيقا لأهداف السياسة الاقتصادية المنتهجة من قبل الدولة.[10]
و قد نصت بعض التشريعات صراحة على إقصاء الركن المعنوي من بعض الجرائم الاقتصادية و تحقق المخالفة من مجرد ارتكاب السلوك (جريمة شكلية) أو أن تقع العناصر المكونة للركن المادي للجريمة و هذا باعتبار أن الجريمة مادية.
أولا- الإقصاء التشريعي للركن المعنوي
بالرجوع إلى النصوص الجزائية المنظمة للعلاقات الاقتصادية المختلفة، نجد أن هناك العديد من التشريعات التي افترضت سوء النية أو أقصت تماما الركن المعنوي ومن أمثلة هذا الافتراض أو الإقصاء نذكر مثلا ما نصت عليه المادة 208 من قانون الجمارك الجزائري، أما بخصوص التشريعات المقارنة التي افترضت القصد الجنائي في نصوصها العقابية نذكر على سبيل المثال المادة 392 من قانون الجمارك الفرنسي التي نصت على ما يلي: "كل حائز لبضاعة على نحو لا يتفق مع القانون و اللوائح يعد مرتكبا لجريمة حيازة بضائع مهربة بمجرد هذه الحيازة حتى و لو لم يكن شخصيا في التهريب".
أما في التشريع المصري فقد نصت المادة 19 من القانون المتعلق بالوزن و المقايس المصري على أنه يعاقب ... كل من حاز أو استعمل أجهزة أو أدوات وزن أو قياس أو كيل مزورة أو غير صحيحة أو مدموغة بطريقة غير مشروعة مع علمه بذلك..."
و من خلال النصوص التشريعية السابقة نجد أن المشرع افترض توافر الركن المعنوي عند ارتكاب العديد من الجرائم الاقتصادية، مما يوحي بوجود رغبة قوية لدى المشرع في عدم إفلات أي شخص من المسؤولية الجزائية.[11]
ثانيا- الإقصاء القضائي للركن المعنوي
إن القاضي الجزائي لم يعد مجرد أداة لإدارة العدالة الجزائية و إنما أصبح يطبق النصوص القانونية بعد تفسيرها و فهم كلماتها، و انطلاقا من التصور لمهمة القضاء فإن القاضي أصبح يلعب دورا مهما و كبيرا في أقلمه النصوص الجزائية بما يساهم في مكافحة للظواهر الإجرامية المستحدثة و لكن في إطار الشرعية الجزائية دائما ومن مظاهر هذه الأقلمة أنه أصبح القاضي الجزائي يعتمد أحيانا على القرائن.





