القانون الجزائي للاعمال

المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي

يقصد بالشخص المعنوي تكتل أو تجمع الأشخاص والأموال يعترف لها القانون بالشخصية القانونية وبالكيان المستقلّ، ويعتبرها كالشّخص من حيث أهليتها لاكتساب الحقوق وتحمّل الالتزامات وبذلك تكون للهيئة المعنوية شخصية قانونية مستقلّة عن شخصية الأشخاص الطبيعيين الذين يقومون بإدارتها وتسيير أعمالها أو تمثيلها وذمة مالية خاصّة بها ولها حق التقاضي بصفتها مدعية أو مدعى عليها.

وإقرار المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي لم يأت من فراغ بل سبقته مناقشات فقهية (المطلب الأول)، وبعد هذا الإقرار الصريح نحدّد شروط قيام المسؤولية الجزائية (المطلب الثاني).

موقف الفقه من المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي

لقد تعددت الآراء الفقهية في قيام المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي من اِتّجاه معارض (الفرع الأول) و اِتّجاه مؤيّد (الفرع الثاني) مع تحديد موقف المشرع الجزائري من ذلك (الفرع الثالث)

الاتّجاه المعارض لقيام المسؤولية الجزائية

يرون أن الشخص المعنوي هو مجرّد افتراض قانوني عديم الإرادة وهو ما دفع الفقيه "قاستون جيز" Gaston Jéze إلى القول عبارة مشهورة "لم يسبق أن تناولت الطعام مع الشخص المعنوي" « Je n'ai jamais déjeuné avec une personne morale »

ومن هنا لا يستطيع أن يصدر منه نشاط ذاتي، بل إنّه يتصرّف بواسطته من يقوم بتمثيله قانونيا، فالشخص المعنوي له الأهلية القانونية بالنسبة للمسائل المدنية ولكنّه من ناحية القانون الجزائي ليست له الأهلية المسؤولية الجزائية، ويرو أن معظم العقوبات الجزائية لا يمكن تطبيقها على الشخص المعنوي كعقوبة الحبس أمّا القول بوجود عقوبات صالحة للتطبيق على الأشخاص المعنوية مثل القوامة أو المصادرة، فإنّ هذا القول يتضمّن اعتداء على مبدأ شخصية العقوبة الذي يوجب توقيع العقوبة على مرتكب الجريمة دون غيره.

الاتّجاه المؤيّد للمسؤولية الجزائية

يرون أنّ طبيعة الشخص المعنوي لا تتناقض تقرير مسؤوليته الجنائية لأنّ الأشخاص المعنوية هي أشخاص حقيقية لم يفترض القانون وجودها، إنّما أكّد هذا الوجود من خلال تنظيم نشاطها، كما أنّها تتمتّع بإرادة مستقلّة ومتميّزة وهذه الإرادة هي ترجمة الإرادة الجماعية المتميّزة عن إرادة الأعضاء المكوّنين له والمجسّدة حقيقية في كلّ مرحلة من مراحل حياة هذا الشخص والقول بعدم وجود إرادة للأشخاص المعنوية هو رأي بجانب الصواب طالما أنّ القانون اعترف لهذه الذوات المعنوية بأهمية التعاقد، وهذه الأخيرة تفترض ضرورة توافر الإرادة وعليه فإنّ الإرادة والأهلية تعتبران شرطان رئيسيان لقيام المسؤولية الجزائية، أمّا بخصوص مجال العقاب فإنّ أنصار هذا الاتّجاه المؤيّد لإقامة المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي يرون بعدم تعارض بين مسؤولية الشخص المعنوي ومبدأ شخصية العقوبة طالما أن الإخلال بالمبدأ يكون في حالة توقيع العقوبة على شخص لم يرتكب الجريمة سواء بصفة فاعل أو شريك في الجريمة بينما في هذه الحالة المتعلقة بالأشخاص المعنوية فإنّ المسؤولية الجزائية توقع مباشرة على هذا الشخص، وإذا ما تحدث آثارها إلى أعضائه الطبيعيين، فإنّ هذا يعتبر أمراً واقعياً وليس حكما قضى به القانون.

موقف المشرع الجزائري

لم يكن يعترف صراحة بالمسؤولية الجزائية للشخص المعنوي()، حيث وجدت بعض النصوص المتفرقة تشير إلى إمكانية مساءلة الأشخاص المعنوية ومن هنا نجد ما نصت عليه المادة 647 من ق.إ.ج(). الأمر رقم 22-96 المتعلّق بقمع مخالفة التشريع والتنظيم الخاصّين بالصّرف وحركة رؤوس الأموال من و إلى الخارج وهذا بموجب المادّة الخامسة منه.

كما نجد الأمر رقم 06-95 المتضمّن قانون المنافسة (ملغى) بإقراره ضمنيا هذه المسؤولية، مع الإشارة أنّ الأمر رقم 03-03 لم يُلغي المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي.

ولكن بعد التطوّرات الاقتصادية والاجتماعية التي تستهدفها الجزائر، إضافة إلى الحركة الكبيرة التي شهدتها المنظومة التشريعية التي يسعى من خلالها المشرع الجزائري إلى مواكبة التطلبات التشريعية أقرّ صراحة بمبدأ مسؤولية الأشخاص المعنوية جزائياً، وهذا بموجب القانون رقم 15-04 المؤرخ في 10 نوفمبر 2004 المعدّل والمتمّم لقانون العقوبات الجزائري بموجب المادة 51 مكرّر.

شروط قيام المسؤولية الجزائية للأشخاص المعنوية

تنحصر الشروط اللاّزمة لقيام المسؤولية الجزائية للأشخاص المعنوية حسب ما دلّت عليه المادّة 51 مكرّر فقرة 1 من ق.ع.ج في شرطين أوّلهما أن ترتكب الجريمة من طرف أحد أجهزة الشخص المعنوي أو من طرف ممثّله الشرعي، وثانيهما أن تكون الجريمة قد ارتكبت لصالح حساب الشخص المعنوي.

ارتكاب جريمة من طرف الممثّل الشرعي للشخص المعنوي أو من طرف أحد أجهزته

لا يمكن مساءلة الشخص المعنوي إلاّ إذا ارتكبت جريمة من طرف أحد أجهزة الشخص المعنوي "organe " أو من طرف ممثليه Représentants وهذا وفق للنظام الأساسي لهذا الشخص، وعليه فإنّ ارتكاب الجريمة من طرف شخص طبيعي يعدّ شرطا مسبقا لقيام مسؤولية الشخص المعنوي جنائيا، والشخص الطبيعي الذي ارتكب الجريمة عبرت عنه المادّة 51 مكرّر من ق.ع.ج بأنّه أحد الأجهزة أو من طرف الممثلين الشرعيين. Représentants légaux ، في حين عبرت عنه المادة 121 فقرة 2 من ق.ع.ف بأنّه الأجهزة المسيرة للشخص المسيّر أو ممثليه()، فأجهزة الشخص المعنوي "organes " هي الهيئات المحددة قانونا وذلك من أجل التصرّف باسم الشخص المعنوي كمجلس الإدارة أو مجلس المديرين أمّا بخصوص الممثّل الشرعي أو القانوني فقد عرفه المشرع الجزائري في المادّة... من قانون ق.إ.ج بأنّه: "ذلك الشخص الطبيعي الذي يخوّله القانون أو القانون الأساسي للشخص المعنوي تفويضا لتمثيله فيما معناه الأشخاص الطبيعيين الذي يخوّله القانون أو القانون الأساسي للشخص الذين يتمتعون بسلطة التصرّف باسمه سواء كانت هذه السلطة قانونية أو بحكم قانون المؤسسة أو المعني.

إذن فمسؤولية الشخص المعنوي جنائيا تكون عن الجرائم التي ترتكب بواسطة أحد أجهزته أو ممثليه الذين يعبرون عن إرادته، حيث لا يسأل الشخص المعنوي التي يرتكبها الموظف البسيط إلاّ إذا كان مفوضا من قبل الشخص المعنوي.

أن ترتكب الجريمة لحساب الشخص المعنوي

عبّر المشرع الجزائري عن هذا الشرط في المادّة 51 مكرّر فقرة 01 من ق.ع.ج "...يكون الشخص المعنوي مسؤولاً جزائيا عن الجرائم التي ترتكب لحسابه.

إذ وضع ممثل هذا الشرط يعتبر أمراً منطقيا في حصر مسؤولية هذه الأشخاص في النطاق المعقول. إذ بمقتضى هذا الشرط لا تسأل الأشخاص المعنوية عن الجرائم التي ترتكب من طرف ممثليها إذا ارتكبت لحسابهم الشخصي().

وما تنبغي الإشارة إليه، أنّه وفقا للقانون 14-25 المتضمن قانون الإجراءات الجزائية يمكن لوكيل الجمهورية قبل تحريك الدّعوى العمومية إبرام اتّفاقية إرجاء المتابعة الجزائية مع الشخص المعنوي الطالع أو الشريك في جرائم محددة، فهي لا تمثل اتفاقية إرجاء والمتابعة الجزائية للشخص المعنوي إدانة.

اتّفاقية إرجاء المتابعة الجزائية للشخص المعنوي

فهي آلية قانونية بديلة عن السير في الدّعوى العمومية تهدف إلى تجنّب المتابعة مقابل التزام الشخص المعنوي بتنفيذ شروط معيّنة وذلك تحت إشراف النيابة العامّة.

شروط تطبيق اتّفاقية إرجاء المتابعة الجزائية مع الشخص المعنوي

وفقا للقانون رقم 14-25 المتضمّن قانون إ.ج يمكن لوكيل الجمهورية إبرام اتّفاقية إرجاء المتابعة الجزائية مع الشخص المعنوي الطالع أو الشريك في جرائم محدّد على سبيل الحصر وذلك في المادّة 106 من ق.إ.ج.ج.

 جرائم الإهمال العمدي إلى ضياع أموال الدّولة().

 القانون المتعلق بالفساد واستثناء جرائم الرشوة.

 القانون المتعلّق بالتشريع والصرف الخاص بحركة رؤوس الأموال.

 التشريع المتعلّق بمكافحة التهريب.

 التشريع المتعلّق بالفوترة.

 القانون النقدي والمصرفي.

 قانون الجمارك.

 كما لا يمكن إبرام اتّفاقية إرجاء المتابعة الجزائية مع الشخص المعنوي إذا تبيّن أنّه تمّ تأسيس الشخص المعنوي الخاص لأغراض احتيالية أو إجرامية وكان الشخص المعنوي الخاص مسبوقا في جريمة من الجرائم المنصوص عليها في المادّة 106 من ق.إ.ج.

التزامات الشخص المعنوي الخاص لإرجاء المتابعة الجزائية

 يلتزم بدفع غرامة مالية للخزينة العمومية بحيث لا يمكن أن يتجاوز مبلغها %30 من متوسط رقم الأعمال السنوي ل3 سنوات الأخيرة.

 ودفع تعويض للطرف العمومي المتضرّر في حالة ما إذا كان معنيًا بالاتفاقية().

 الخضوع لبرنامج إصلاح داخلي لدعم النزاهة والوقاية.

الآثار المترتبة عن اتفاقية إرجاء المتابعة الجزائية

تبرم اِتفاقية إرجاء المتابعة مع الممثل القانوني للشخص المعنوي الخاص الذي ينبغي ألاّ يكون طالعا شخصيًا في ارتكاب الجريمة المنسوبة للشخص المعنوي الخاص بصفته فاعل أو شريك أو محرّض، ويستدعيه وكيل الجمهورية أي يعرض عليه اقتراح إبرام الاتفاقية ويخبره بإمكانية الاستعانة بمحام أو بخبير وبضرورة الرّد الكتابي على هذا المقترح في أجل شهر من تاريخ إخطاره وعند الرّدّ بالقبول (إبرام الاتفاقية) فلا تعتبر إدانة للشخص المعنوي الخاص وتمهر الاتفاقية بالصيغة التنفيذية.

سابقسابقمواليموالي
استقبالاستقبالاطبعاطبعتم إنجازه بواسطة سيناري (نافذة جديدة)