تغيير ملامح الركن الشرعي في جريمة الأعمال
بادئ ذي بدء يقصد بمبدأ الشرعية أنه لا يجوز تجريم فعل لا ينص القانون صراحة على تجريمه كما لا يجوز توقيع على الجاني خلاف تلك الصورة المقررة قانونا بمعنى آخر أن نص التجريم يصبح أمر ضروري لقيام الجريمة بانتفائه تنتفي هذه الأخيرة و هذا ما نصت عليه المادة الأولى من ق ع.ج[1] بأنه :"لا جريمة و لا عقوبة أو تدبير أمن بغير قانون"
ولهذا تعتبر قاعدة شرعية الجرائم والعقوبات من أهم الضمانات المقررة للحرية الفردية كما أنها تعتبر ضمانة هامة للحد من التفنن بإنزال العقوبات بالمحكوم دون حسيب أو رقيب[2]، ولذلك سوف نتحدث عن مبدأ الشرعية في نطاق الجرائم الاقتصادية (فرع أول) ثم نتحدث عن تطبيق نصوص التجريم الاقتصادي من حيث الزمان والمكان (فرع ثاني).
الفرع الأول: مبدأ الشرعية في جرائم الاعمال
إن المصدر الوحيد لقانون العقوبات، هو النص المكتوب فإذا لم يكن هناك نص يجرم الفعل المرتكب فعلى القاضي الجزائي أن ينطق بالبراءة مهما كانت درجة جسامة الفعل المرتكب بخلاف القاضي المدني.[3]
و على الرغم من أن جميع القوانين تحرص على مبدأ الشرعية في نطاق الجرائم و العقوبات إلا أن الدولة قد تواجه أزمات طارئة أو ظروفا استثنائية لا سبيل إلى مواجهتها إلا من خلال التفويض التشريعي و لذا فإن مبدأ الشرعية في نطاق الجرائم الاقتصادية يتطلب الحديث في أمرين في غاية الأهمية هما:
أولا: التفويض التشريعي:
ثانيا: تفسير قانون العقوبات الاقتصادي
أولا- التفويض التشريعي
القاعدة العامة تقتضي بأن السلطة التشريعية صاحبة الاختصاص الأصيل بسن القوانين و عليه لا يجوز للسلطة التنفيذية التدخل في أعمال السلطة التشريعية احتراما لمبدأ الفصل بين السلطات إلا أن هذا الفعل و كما هو معلوم ليس مطلقا إذ أن هناك علاقة تعاون بين السلطات في الدولة لتحقيق المصلحة العامة خاصة إذا كانت تمر بظروف استثنائية أو طارئة و البرلمان غير منعقد أو منحلا، أكثر من ذلك فقد جُعل التفويض التشريعي[4] في الظروف العادية عندما تستدعي المصلحة العامة للدولة ذلك مع مراعاة عدد من القواعد منها أن يكون التفويض محددا بنطاقه و زمانه و أن لا يؤدي إلى المساس بالحرية الشخصية.
أما في نطاق جرائم الاعمال فإن التفويض التشريعي يتسع نطاقه على خلاف القاعدة العامة في قانون العقوبات إذ يعتبر التفويض التشريعي في هذه الحالة أمرا ضروريا خاصة في حالة عدم توافر الخبرة الفنية المطلوبة لدى السلطة التشريعية و بالتالي منحها إلى السلطة التنفيذية لمواجهة الظروف الاقتصادية الطارئة من أجل تحقيق و حماية السياسة الاقتصادية العامة للدولة.[5]
و من صور التفويض التشريعي (التفويض على البياض) التي ابتكرها الألمان و يرجع فحو هذه القاعدة إلى أن عنصر التجريم لا يكون محددا تحديدا دقيقا بل يكون قد وضعه المشرع على شكل مبادئ عامة تاركا للسلطة المختصة[6] مهمة وضع العناصر المكونة للجريمة حسب مقتضيات الساحة الاقتصادية . و التوسيع في تقنية التفويض التشريعي بارز في مختلف القوانين الجزائية الاقتصادية ، فقد حُدد مثلا في التشريع الجزائري لسلطة الإدارية أن تنظر في بعض الجرائم الاقتصادية وتوقيع العقوبة على مرتكبيها مثال ذلك ما اعترف به لمجلس المنافسة بسلطة ظبط السوق في نص المادة 34من الأمر رقم 03-03على أنه "يتمتع مجلس المنافسة بسلطة اتخاذ القرار و الاقتراح بمبادرة منه أو كلما طلب منه ذلك في أي مسألة أو تدبير من شأنه ضمان السير الحسن للمنافسة". فضلا على القوانين الأخرى و التي تحيل إلى التنظيم لبيان كيفية تطبيق بعض مواده مثل قانون 04-02المتعلق بالقواعد المطبقة على الممارسات التجارية خاصة المادة 10و11منه.
كما تجد هذه التقنية مجالا واسعا و انتشارا في جريمتي الصرف و التنظيم الجمركي و هذا يظهر جليا في إعطاء بعض الوزارات و الولاة و إدارات الجمارك هامشا من التشريع من حيث تحديد النطاق الجمركي ، و من حيث تعيين السلع الخاضعة لرسم مرتفع و من خلال تحديد المواد الحساسة و المواد الخاضعة لرخصة التنقل ، فالقانون نص على هذه الأمور ولكن ترك الأمر تحديدها و تعيينها للسلطة التنفيذية.
وكمثال على ما تقدم فإن المادة29 من قانون الجمارك في فقرتها الأخيرة خولت للوزراء المكلفين بالمالية والدفاع الوطني والداخلية بالتدخل عن طريق قرار وزاري بتمديد عمق المنطقة البرية من النطاق الجمركي و المادة 226تعطي الحق للوزير المكلف بالمالية والوزير المكلف بالتجارة بإصدار قرار وزاري مشترك يحدد قائمة البضائع الحساسة. الهامش هو عبارة عن مساحة محددة من قبل المشرع داخل حدود الدولة و قد يكون هذا النطاق بحريا و قد يكون بريا. فالنطاق البحري يتكون من المياه الإقليمية و المنطقة المتاخمة لها و المياه الداخلية. و منطقة برية تمتد على الحدود البحرية من الساحل إلى خط مرسوم على بعد ثلاثين)30(كلم منه ، تسهيلا لقمع الغش يمكن عند الضرورة تمديد عمق المنطقة البرية من ثلاثين )30(كلم إلى غاية ستين)60 (كلم ، غير أنه يمكن تمديد هذه المسافة إلى أربعمائة )400 (كلم في ولايات تندوف و أدرار و تمنراست و إيليزي.
ثانيا- تفسير النصوص القانونية الخاصة بالجرائم الاقتصادية
القاعدة العامة في التشريع الجزائي أن يأتي النص القانوني واضحا صريحا و محددا بدقة عناصر الفعل المجرم و العقوبة المقررة له، إلا أن هذه القاعدة لا تجري على إطلاقها فقد يشوب القاعدة القانونية الاقتصادية الغموض و عدم الدّقة في صياغتها كونها توضع على عجل لمواجهة الظروف و الأزمات الاقتصادية الطارئة التي تواجه الدولة، فعندئذ يصبح من الضروري اللجوء إلى تفسير النص القانوني للوقوف على إرادة المشرع و التفسير إما أن يكون فقهيا أو قضائيا أو إما أن يكون تفسيرا تشريعيا، و لما كانت نصوص الأنظمة الاقتصادية قد وضعت على وجه السرعة لمواجهة الظروف و الأزمات الطارئة فيصبح من المحتم إعطاء القاضي الجزائي سلطة واسعة في تفسير النصوص القانونية الاقتصادية[7] من أجل استجلاء الغموض و الوقوف على حقيقة إرادة المشرع دون تجاوز لحدود النص أو التأويل الكيفي[8]. و يؤيد معظم فقهاء القانون الجنائي استعمال التفسير الواسع للنص الجزائي ، و حجتهم في ذلك أن القاضي الجزائي عندما يفسر النص تفسيرا واسعا إنما يهدف من ورائه تحقيق غاية المشرع و هو حماية السياسة الاقتصادية و تنفيذ خطط التنمية و المحافظة على كيان الدولة .
الفرع الثاني: تطبيق نصوص التجريم الاقتصادي من حيث الزمان و المكان.
القاعدة الجزائية ليست أبدية بل لها لحظة زمنية تولد فيها و لحظة زمنية تنتهي حياتها، فالنصوص الجزائية تسري بأثر فوري و مباشر و لا تسري بأثر رجعي إلا إذا كانت أصلح للمتهم و السؤال الذي يطرح هنا هل هذه الأحكام هي ذاتها التي تطبق في نطاق الجرائم الاقتصادية أم أن لهذه الجرائم خصوصية معينة تتميز بها عن غيرها من الجرائم الأخرى؟
للإجابة عن هذا السؤال يجب الحديث عن تطبيق أحكام قانون العقوبات الاقتصادي من حيث الزمان)أوّلا(ثمّ الحديث عن تطبيق أحكام قانون العقوبات الاقتصادي من حيث المكان )ثانيا(.
أوّلا- تطبيق أحكام قانون العقوبات الاقتصادي من حيث الزمان
إن القانون في حد ذاته انعكاس لحياة الناس في جميع المجالات المالية و الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية، و القاعدة العامة بهذا الخصوص أن النصوص الجزائية تسري بأثر فوري و مباشر فلا تسري إلاّ على الأفعال التي تقع بعد تاريخ العمل بها، و منذ تلك اللحظة يفرض القانون الجديد سلطانه على كافة الجرائم التي ترتكب بعد هذا التاريخ[9] و هو ما يعبر عنها بلغة الفقه "عدم رجعية النص الجزائي" و هو ما يستفاد ذلك من نص المادة الثانية من ق.ع.ج " لا يسري قانون العقوبات على الماضي"[10] فحين نجد في ذات المادة الاستثناء بحيث يسري القانون الجديد على الماضي إذا كان أصلح للمتهم و هو ما يستشف من الشطر الثاني بذات المادة "إلا ما كان منه أقل شدة".
و نعود إلى السؤال الذي طرح سابقا و هو هل هذه الأحكام ذاتها تطبق على الجرائم الاعمال؟
للإجابة على هذا السؤال نقول أن جرائم الاعمال لنتيجة خطورتها على الأمن الاقتصادي للدولة فلم يلتزم المشرع بمبدأ رجعية النص الجزائي الأصلح للمتهم، بل إن النص الذي كان نافذا وقت ارتكاب الجريمة هو الأولى بالتطبيق حماية للسياسة الاقتصادية و منعا لإحداث أي فجوة يمكن النفاذ منها و التلاعب .
ثانيا- تطبيق أحكام قانون العقوبات الاقتصادي من حيث المكان
يبسط القانون سلطانه في حدود إقليم الدولة على الجرائم التي ترتكب فيه سواء إذا كان الجاني مواطنا أو أجنبيا أو سواء كان المجني عليه مواطنا أو أجنبيا، و سواء هدد الجاني بجريمته مصالح الدولة ذاتها أم مصالح دول أخرى، فكل ما يرتكب في إقليم الدولة من جرائم يعد عملا يمس سيادتها لا تتسامح معه و تقابله بجزاء لردع الجاني و هو ما نصت عليه صراحة المادة الثالثة من ق.ع
إن التشريعات الحديثة بدأت تتجه نحو تطبيق أحكام قانون العقوبات على جرائم الاعمال التي ترتكب خارج إقليم الدولة سواء وقعت من مواطن أو أجنبي و سواء كانت معاقبا عليها في البلد الذي ارتكب فيه أم لا[11]، خاصة الجرائم التي تقع مخالفة لقوانين النقد و تداوله و السبب في ذلك يعود إلى خطورة هذا النوع من الجرائم على المصلحة الاقتصادية العامة للدولة و هو ما تبناه المشرع الجزائري في المادة 747من ق.إ .ج كاستثناء يخص الجرائم الاعمال و هو ما يعرف "بمبدأ عينية النص الجنائي ."تجوز متابعة و محاكمة كل أجنبي ،وفقا لأحكام القانون الجزائري ،ارتكب خارج الإقليم الجزائري بصفة فاعل أصلي أو شريك في جناية أو جنحة ضد أمن الدولة الجزائرية أو مصالحها الأساسية أو المحلات الدبلوماسية و القنصلية الجزائرية أو أعوانها أو تزييفها لنقود أو أوراق مصرفية وطنية متداولة قانونا في الجزائر أو أي جناية أو جنحة ترتكب إضرار بمواطن جزائري"





